أخبار الولايات المتحدة: ترمب يفتح دفتر التهديدات من فنزويلا إلى جرينلاند
إذا كنت تتابع أخبار الولايات المتحدة والسياسة الدولية هذه الأيام، فستشعر أن دونالد ترمب يتعامل مع العالم كأنه لوحة تحكم فيها أزرار كثيرة: زرّ للتهديد، زرّ للعقوبات، زرّ لإعادة رسم الخرائط، وزرّ صغير للقلق الإنساني يظهر فقط عند الحاجة. وبينما تتسع دائرة التصعيد من فنزويلا إلى إيران وكولومبيا وكوبا والمكسيك والهند والدنمارك، يجد القارئ نفسه أمام مشهد يختلط فيه الاستعراض بالقوة والرسائل الرمزية بالمصالح الصلبة. لنبدأ مع أخبار الهجوم الأميركي على فنزويلا لفهم كيف تُدار الحكاية: عنوان كبير، ثم فصل طويل من الشروط.
فنزويلا: رئيس في نيويورك وبلد “قيد الإدارة”
البداية جاءت بعد القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى مركز احتجاز في نيويورك تمهيدًا لمثوله أمام القضاء بتهم تتعلق بالمخدرات. وحتى لا يضيع المشاهد في التفاصيل، جاء التبسيط من أعلى مستوى: اعتقال يفتح الباب لمرحلة “عدم يقين” في بلد غني بالنفط… ومع عدم اليقين تظهر الفرص عادةً، لا سيما حين تكون الفرصة على شكل حقول واحتياطات وقطاع طاقة “بحاجة لإعادة بناء”.
الأطرف أن ترمب لم يتحدث كثيرًا عن انتخابات سريعة أو انتقال سياسي عاجل، بل قال إن الإدارة الأميركية ستعمل مع ما تبقى من النظام للحد من تهريب المخدرات وإعادة هيكلة قطاع النفط. بمعنى آخر: الديمقراطية يمكن أن تنتظر، أما النفط فله أولوية لا تعرف التأجيل.
ديلسي رودريغيز: شراكة بلا مكالمة وتهديد بنصف ابتسامة
في المشهد الفنزويلي الداخلي، تولت نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز، وهي أيضًا وزيرة النفط، قيادة البلاد مؤقتًا بدعم من أعلى محكمة. ورغم أنها تُوصف بأنها الأكثر براغماتية في الدائرة القريبة من مادورو، فإن البراغماتية هنا لها تعريف واحد: أن تكون موافقًا قبل أن تُسأل.
ترمب قال إن واشنطن ستتعاون معها، لكنه أوضح أنه لم يتحدث إليها. ثم جاءت الجملة التي تختصر فلسفة المرحلة: “نحن من يدير الأمور”. وفي مقابلة أخرى لوّح بأن رودريغيز قد تدفع ثمنًا أكبر من مادورو إن لم تفعل “الصحيح”. ومن يعرف قاموس السياسة يدرك أن “الصحيح” كلمة مطاطية، تتمدد وتضيق حسب الحاجة.
“وصول كامل”: عندما يصبح القاموس الاقتصادي هو الأكثر وضوحًا
وسط الضجيج القانوني والسياسي، خرجت عبارة محورية: الولايات المتحدة تحتاج “وصولًا كاملًا” إلى فنزويلا. الوصول هنا ليس مجازيًا، بل عملي ومباشر: النفط، والبنية التحتية، وما يلزم لإعادة بناء قطاع الطاقة بمليارات الدولارات عبر شركات أميركية.
اللافت أن الحكومة الفنزويلية كانت تقول منذ أشهر إن واشنطن تريد الموارد الطبيعية، خصوصًا النفط، واستشهدت بتصريحات سابقة عن دخول شركات نفط كبرى. ثم جاء الرد الداخلي الفنزويلي الغاضب: “انكشف أنهم لا يريدون سوى نفطنا”. وفي العادة، حين يقول طرف ما “انكشف”، يكون قد اكتشف أن العبارات المنمقة لم تعد تكفي لتغطية الحقيقة الصلبة.
كولومبيا وكوبا والمكسيك: تهديدات خفيفة على متن الطائرة
على متن الطائرة الرئاسية، بدا ترمب وكأنه يوزع التقييمات الصحية على الدول:
- كولومبيا “مريضة جدًا”، ويحكمها “رجل مريض”، ويحب صناعة الكوكايين وبيعه.
- كوبا “على وشك الانهيار” ولا تحتاج تدخلًا لأنها “تنهزم وحدها”.
- المكسيك يجب أن “نفعل شيئًا” معها، وعليها أن “تعيد ترتيب أمورها”.
هذه العبارات لا تحتاج إلى خرائط عسكرية كي تقلق العواصم؛ يكفي أن تأتي من رئيس يلمّح بأن “العمل العسكري يبدو جيدًا”، وكأن الموضوع تجربة على ورق قبل أن تكون قرارًا يغيّر مصائر بشر.
إيران: قلق إنساني مرتفع الصوت… وذاكرة العالم ليست قصيرة
في إيران، حذّر ترمب من “ضربة قاسية جدًا” إذا سقط مزيد من الضحايا بين المتظاهرين. العبارة تحمل نبرة وصاية أخلاقية: نحن نراقب عن كثب، وإذا بدأوا بقتل الناس فهناك ثمن.
هنا تظهر المفارقة التي يلتقطها الناس بسرعة: صوت يتفوه بالقلق على الأرواح، بينما اليد نفسها قادرة على التوقيع على قرارات قوة في ملفات أخرى دون أن ترفّ لها رمش. وحين تزدحم ذاكرة العالم بصور المآسي في أماكن متعددة، يصبح هذا القلق الانتقائي جزءًا من القصة، لا هامشًا فيها.
جرينلاند والهند وروسيا: عندما تتوسع القائمة أكثر من اللازم
ترمب لم ينسَ جرينلاند، بل أعاد التأكيد أن الولايات المتحدة “بحاجة” إليها للأمن القومي، مبررًا ذلك بكثرة السفن الروسية والصينية. ثم قال: “لنتحدث عنها خلال 20 يومًا”، وكأن السيادة موعد على أجندة.
وفي روسيا وأوكرانيا، استبعد فكرة استهداف كييف لمقر إقامة بوتين، بينما تحدثت موسكو عن مسيّرات ومراجعة للموقف التفاوضي. أما الهند، فظهرت في القائمة عبر تهديد برفع الرسوم الجمركية إن لم تساعد في قضية النفط الروسي.
ختاما
الصورة العامة تبدو كالتالي: اعتقال رئيس في فنزويلا، تهديد بضربة ثانية، رغبة معلنة في “وصول كامل” إلى الموارد، تلميحات لعمل عسكري في كولومبيا، ضغط لفظي على المكسيك، تقييم سياسي لصمود كوبا، تحذير حاد لإيران، ثم فتح ملف جرينلاند والرسوم على الهند وسط حرب كبرى في أوروبا. إنها سياسة خارجية بنبرة واحدة: “سنتحدث… لكن بشروطنا”. وبينما تتغير العناوين يوميًا، يبقى السؤال الساخر ثابتًا: هل هذه إدارة أزمات، أم إدارة مسرح كبير لا ينطفئ فيه الضوء أبدًا؟





