الذكاء الاصطناعي يدخل غرف التحقيق ويغير قواعد اللعبة

بعد أكثر من ثلاثة عقود على جريمة اختفت تفاصيلها في الأدراج، عاد اسم الضحية إلى الواجهة فجأة. لم يظهر شاهد جديد ولا اعتراف متأخر، بل إن الذكاء الاصطناعي هو الذي أعاد النظر في تسجيلات قديمة وربط بين خيطين لم يلتقيا من قبل. في زمن التكنولوجيا المتقدمة، لم يعد الصمت الطويل نهاية القصة، بل بداية فصل جديد في التحقيقات الجنائية.
هذا التطور ليس مجرد حالة فردية، بل هو جزء من اتجاه متزايد نحو استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في عمل الشرطة والقضاء حول العالم. من تحليل الأدلة الرقمية إلى التعرف على الوجوه، أصبحت هذه التقنيات أداة لا غنى عنها في سعي ضباط إنفاذ القانون لتحقيق العدالة، ولكنها تثير أيضًا تساؤلات مهمة حول الخصوصية والتحيز والمساءلة.
الأدلة الصامتة تتكلم بفضل الذكاء الاصطناعي
لعقود، شكلت الأدلة المتراكمة في أقسام الشرطة عبئًا أكثر من كونها فرصة. كانت هناك لقطات كاميرات مراقبة مشوشة، وبصمات غير مكتملة، وسجلات اتصالات ضخمة لا يمكن فرزها يدويًا، وتقارير طب شرعي أُغلقت دون نتيجة. هذه الأدلة، التي كانت تعتبر في السابق غير قابلة للاستخدام، أصبحت الآن ذات قيمة بفضل التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي.
تقنيات تحسين الصور والتعرف على الأنماط وتحليل البيانات الضخمة أعادت تعريف “القيمة” في هذه الأدلة. ما كان يعد غير صالح للتحقيق في التسعينيات بات الآن مادة خام قابلة لإعادة التحليل، وربما لإعادة فتح قضايا ظلت بلا إجابة لسنوات طويلة. هذا التحول يمثل ثورة في طريقة عمل المحققين.
في بعض الحالات، قادت إعادة فحص قواعد بيانات الحمض النووي باستخدام خوارزميات أحدث إلى تضييق دائرة الاشتباه. وفي حالات أخرى، أتاح تحليل لقطات قديمة بجودة متدنية استخلاص تفاصيل لم يكن للعين البشرية أن تلتقطها آنذاك. الزمن، الذي كان عدو التحقيق، أصبح فجأة حليفًا تقنيًا قويًا.
وفي ولاية ألاسكا، منح هذا التطور أملاً جديدًا لملفات مفقودي السكان الأصليين، بعد أن كانت تلك القضايا تمثل “جدارًا مسدودًا” بسبب تراكم الوثائق الورقية والأدلة غير المفروزة على مدى عقود. هذا مثال واضح على كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في حل القضايا الباردة.
المحقق الجديد.. خوارزمية لا تنام
داخل غرف التحقيق الحديثة، لم تعد الملفات الورقية هي النجم، بل أنظمة الذكاء الاصطناعي تعمل على مدار الساعة تمسح ملايين السجلات في وقت قياسي. فهي ترصد التقاطع بين مواقع الهواتف وتحركات السيارات، وتربط بين بلاغات متفرقة، وتستخرج “خيوطًا” محتملة لمسارات تحقيق جديدة. هذه الأنظمة قادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات بسرعة ودقة تفوق قدرات البشر.
شركات ناشئة مثل “كلوجر” (Closure) و”لونجيي” (Longeye) بدأت بالفعل في تزويد قطاعات الشرطة بأنظمة قادرة على تفريغ آلاف الساعات من التسجيلات الصوتية وتحويلها إلى نصوص قابلة للبحث في دقائق. بالإضافة إلى ذلك، يمكن لهذه الأنظمة تصنيف الصور والفيديوهات وربط الأدلة القديمة ببيانات جديدة. هذا يوفر وقتًا وجهدًا كبيرين للمحققين.
هذا التحول أعاد تشكيل دور المحقق البشري، فبدل أن يكون مجرد جامع للأدلة بات محللاً ومدققًا في نتائج تجمعها الخوارزميات. السرعة هنا مذهلة، لكنها سلاح ذو حدين. فكلما ازدادت قدرة النظام على اقتراح روابط محتملة، ازدادت الحاجة إلى عين بشرية ناقدة تتساءل “هل هذا الارتباط منطقي أم مجرد تشابه إحصائي؟”.
ويصف رئيس شرطة مدينة أنكوريج هذه النقلة بقوله إن التكنولوجيا الجديدة “حولت ملفات بدت مستحيلة الفهم إلى ملخصات واضحة يمكن العمل عليها”. مؤكدًا أنها أعادت الحركة إلى قضايا راكدة -لا سيما ملفات مفقودي السكان الأصليين- من دون أن تحلها تلقائيًا. الذكاء الاصطناعي هو أداة قوية، لكنه لا يحل محل الحكم البشري.

الوجه المظلم.. تحيزات وخصوصية وأخطاء قاتلة
رغم الوعود الكبيرة، يحمل الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي مخاطر حقيقية. على سبيل المثال، أظهرت أنظمة التعرف على الوجوه في تجارب عديدة معدلات خطأ أعلى عند التعامل مع فئات سكانية معينة نتيجة تدريبها على بيانات غير متوازنة. هنا لا يكون الخطأ تقنيًا فحسب، بل قد يتحول إلى اتهام خاطئ يغير حياة شخص بريء.
ويحذر خبراء حقوقيون من الانزلاق نحو التعامل مع “التطابق الخوارزمي” بصفته دليلًا شبه قاطع، رغم أنه في جوهره احتمال إحصائي. الخطر الأكبر أن تتحول الأداة المساعدة إلى سلطة غير مرئية يصعب الطعن في منطقها أو مساءلتها. هذا يثير مخاوف جدية بشأن العدالة والشفافية.
أما الخصوصية، فهي السؤال الأكثر حساسية. إلى أي مدى يحق للشرطة إعادة استخدام بيانات قديمة -من كاميرات المدن إلى السجلات البيومترية- بحجة حل ملفات؟ وهل يبرر السعي للعدالة توسيع دائرة المراقبة على مواطنين لم يكونوا يوما محل شبهة؟ هذه أسئلة تتطلب إجابات واضحة.

حدود قانونية وأخلاقية ما زالت ضبابية
المشكلة لا تتوقف عند التكنولوجيا، بل تمتد إلى فراغ تشريعي واضح. في كثير من الدول لا توجد أطر قانونية تفصيلية تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في التحقيق الجنائي. هناك أسئلة جوهرية لا تزال بلا إجابة: “من يراجع الخوارزمية ويختبر تحيزاتها؟ من يتحمل المسؤولية إذا قادت نتائجها إلى خطأ قضائي؟ وهل يجب إبلاغ المتهم بأن أحد أدلة الإدانة نتاج تحليل خوارزمي؟”.
ومع تصاعد الاعتماد على هذه الأدوات تتضخم المشكلة من تقنية إلى قانونية ثم إلى أخلاقية تمس جوهر العدالة ذاتها. الذكاء الاصطناعي يملك القدرة على إعادة الأمل لعائلات انتظرت الحقيقة طويلاً، لكنه إن تُرك بلا ضوابط قد يفتح بابًا جديدًا لأخطاء لا تقل قسوة عن الجرائم التي يسعى لكشفها.
من المتوقع أن تشهد الأشهر القادمة نقاشات مكثفة حول الحاجة إلى قوانين جديدة تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في مجال العدالة الجنائية. العديد من الدول بدأت بالفعل في دراسة هذه القضية، ومن المرجح أن يتم تقديم مقترحات تشريعية في أقرب وقت ممكن. يبقى أن نرى ما إذا كانت هذه القوانين ستكون قادرة على تحقيق التوازن بين الاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي وحماية الحقوق والحريات الأساسية.





