السيف والقلم.. هل غيرت غزة وظيفة المثقف في العالم؟

كشفت “الحرب على غزة” عن حالة مضطربة في الحياة الفكرية المعاصرة، وأعادت تشكيل التحالفات الفكرية في المنطقة. لم تقتصر آثارها على العنف المباشر أو التداعيات السياسية، بل دفعت المثقفين إلى مواجهة أسئلة صعبة حول دورهم ومسؤولياتهم الأخلاقية. هذا الصراع يمثل اختبارًا حقيقيًا للضمير، ويكشف عن هشاشة الخطاب الفكري في عالم يتسم بالسرعة والاستقطاب والمصالح المتشابكة.
في خضم هذه الأحداث، يطرح سؤال مركزي: ما هو مصير دور المثقف في ظل هذه الظروف؟ وهل تغيرت طبيعة هذا الدور بشكل جذري؟ هذا ما سنستعرضه في هذا المقال، مع التركيز على التحولات التي طرأت على الممارسة الفكرية في ضوء الحرب الدائرة.
تراجع دور المثقف التقليدي
لطالما ارتبط مفهوم المثقف بالنقد البناء والتدخل في الشأن العام انطلاقًا من مبادئ أخلاقية. كان المفكر الفرنسي جان بول سارتر من أبرز من صاغوا هذا التصور، مؤكدين على أن مهمة المثقف تكمن في مواجهة السلطة وكشف تناقضاتها، وليس في تمثيل معسكر معين. ويرى سارتر أن الالتزام الأخلاقي هو جوهر هذه المهمة، حتى لو كان ذلك يعني مخالفة الإجماع العام.
وسع المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي هذا المفهوم من خلال نظرية “المثقف العضوي”، مؤكدًا أن المثقف جزء لا يتجزأ من البنية الاجتماعية والصراع التاريخي، لكنه لا يجب أن يكون مجرد أداة طاعة. بل يجب أن يعبر عن القوى التي تشكل الواقع، وأن يكشف عن الروايات المهيمنة التي تحاول إخفاء الحقائق.
أما إدوارد سعيد، فقد قدم تعريفًا شاملاً للمثقف بأنه شخصية تحافظ على مسافة نقدية من السلطة والمؤسسات والإجماع، وتستمد شرعيتها من رفض خدمة المصالح الخاصة، والدفاع عن المبادئ الكونية. لكن يبدو أن هذا النموذج المثالي قد تضاءل قبل اندلاع “الحرب على غزة” بفترة طويلة.
البيانات الجماعية والخطاب الأخلاقي
أحد أبرز مظاهر الاستجابة الفكرية للحرب في غزة تمثل في انتشار البيانات الجماعية الموقعة من الكتاب والفنانين والباحثين. تزايدت هذه الرسائل المفتوحة التي تدعو إلى وقف إطلاق النار وحماية المدنيين بشكل ملحوظ في أوروبا وأمريكا الشمالية، وأصبحت الشكل الغالب للتعبير عن المواقف الأخلاقية. من الأمثلة على ذلك، الرسالة التي نشرتها مجلة “أرتفورم” في أكتوبر 2023.
لكن هذه البيانات لم تخلُ من المخاطر. فقد شهدت مجلة “أرتفورم” إقالة رئيس تحريرها بعد فترة وجيزة من نشر هذه الرسالة، تحت ضغوط داخلية وخارجية. وأظهرت هذه الحادثة كيف تحول البيان الجماعي من مجرد تعبير رمزي إلى خطوة مهنية قد تعرض الموقعين للعواقب الوخيمة. وتشابهت هذه الأحداث في العديد من المؤسسات الأدبية، مثل منظمة “بين أمريكا”، حيث استقال عدد من الأعضاء احتجاجًا على ردود الفعل المترددة تجاه الأزمة الإنسانية في غزة.
هذا التحول يوضح كيف أصبحت المواقف الأخلاقية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمخاطر المهنية، وكيف يخشى المثقفون من التعبير عن آرائهم بحرية خوفًا من فقدان وظائفهم أو تراجع شعبيتهم. كلمات مثل “محايدة”، “متوازنة” و “حرية التعبير” أصبحت شائعة لكنها غالبا ما تخفي تحفظات عميقة.
الصمت كموقف واللغة كأداة
لم يقتصر التغيير على البيانات الجماعية، بل ظهر أيضًا في أشكال الصمت الذي مارسه بعض المثقفين. وقد وثقت صحيفة “ذا كرونيكل أوف هاير إيدوكاشن” حالات عديدة لأكاديميين تلقوا تحذيرات إدارية بسبب تعليقاتهم العلنية على الحرب في غزة. وبررت هذه الإدارات تحذيراتها بالحاجة إلى “حماية أمن الحرم الجامعي”، لكن البعض اعتبرها محاولة لتقييد الحرية الأكاديمية.
بالإضافة إلى ذلك، شهدت اللغة تحولاً ملحوظًا خلال الحرب. وقد تم تداول مصطلحات مثل “الدفاع عن النفس” و”الأضرار الجانبية” و”الدروع البشرية” بشكل واسع، وهي مصطلحات تحمل حمولة قانونية وأخلاقية كبيرة. وتحذر الفيلسوفة جوديث بتلر من أن هذه اللغة يمكن أن تطمس الحقائق وأن تقلل من قيمة الأرواح البشرية، خاصة الفلسطينية.
واستخدم مفهوم “سياسات الموت” (Necropolitics) الذي طرحه أشيل مبيمبي، لتحليل كيفية تعامل الخطاب العام مع الموت والمعاناة في غزة، وكيف يتم تحويل الضحايا إلى مجرد أرقام وإحصائيات. ويرى البعض أن اللغة الرسمية المستخدمة غالبًا ما تهدف إلى تبرير العنف وتطبيعه.
مستقبل دور المثقف
تشير هذه التطورات إلى أن دور المثقف قد تغير بشكل كبير في ظل هذه الظروف. لم تعد غزة مجرد حدث يستدعي اتخاذ موقف، بل أصبحت نقطة تحول في كيفية فهم الممارسة الفكرية وعواقبها. وبينما تتطلب الضرورة الأخلاقية الوضوح، فإن المساحة المتاحة للتعبير عن الآراء تتضاءل.
ويبدو أن المثقفين يواجهون الآن تحديًا أكبر، وهو كيفية الحفاظ على استقلالهم الفكري في عالم يتسم بالضغوط المتزايدة والقيود المؤسسية. المهمة الأساسية الآن هي حراسة الأسئلة، والتمييز بين التضامن الحقيقي والامتثال السلبي، ومقاومة التبسيط والتجريد في تحليل الأحداث.
في المستقبل القريب، من المتوقع أن تتزايد الضغوط على المثقفين لاتخاذ مواقف واضحة تجاه الصراع في غزة، وأن يشهد الخطاب الفكري المزيد من الاستقطاب والتوتر. يجب على المؤسسات الأكاديمية والثقافية أن تحترم حرية التعبير وأن تحمي الأكاديميين والفنانين من الانتقام بسبب آرائهم. وستظل التغطية الإعلامية وتصريحات المسؤولين تحت المجهر، بحثًا عن أي محاولة لتشويه الحقائق أو تبرير العنف.





