«الطِّيرمة».. مركاز المقربين في المنازل الكلاسيكية – أخبار السعودية

“الطِّيرمة” … غرفة التراث التي تلاشت في الحجاز
في قلب منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، تلاشت عبر العقود كلمة “الطِّيرمة” التي كانت تصف جزءًا معماريًا مميزًا في البيوت الحجازية القديمة. كانت “الطِّيرمة” غرفة صغيرة فوق بيت الدرج، تُستخدم لتخزين الأغراض وفي أوقات الحر للتبريد والنوم. يهدف هذا المقال إلى استعادة هذا الجزء من التراث المحلي، مع تتبع أصول الكلمة وارتباطها باللغة الفارسية.
تُعد “الطِّيرمة” إرثًا معماريًا كان سائدًا في البيوت التقليدية بالحجاز. غالبًا ما كانت تُبنى فوق بيت الدرج، وهي مساحة صغيرة مسقوفة تُفسح المجال للاستخدامات المتنوعة. لم تقتصر الاستفادة منها على التخزين، بل امتدت لتوفير مساحة للنوم، خاصة في فصل الصيف، مستغلةً ارتفاعها وإطلالتها للسماح بمرور الهواء.
أصول كلمة “الطِّيرمة” وارتباطاتها اللغوية
أشار ابن منظور في كتابه “لسان العرب” إلى أن كلمة “الطَّارمة” قد تكون ذات أصول أعجمية معرّبة، وتشير إلى بيت خشبي على هيئة قبة. ويرجح البعض أن أصل الكلمة يعود إلى اللغة الفارسية، حيث قد تشير إلى “طير السماء” أو “الكوة” التي يدخل منها الضوء في أعلى المنزل. هذا الارتباط يشير إلى وظيفة “الطِّيرمة” كوسيلة للتهوية والإضاءة.
استخدامات “الطِّيرمة” في الحياة اليومية
كانت “الطِّيرمة” توفر حلولًا عملية لسكان البيوت القديمة. فبالإضافة إلى كونها مكانًا لتخزين مؤونة البيت من حطب وفحم، كانت تُستخدم لتجفيف التمور، وهو أمر حيوي في البيئة المحلية. كما كانت تخدم غرضًا صحيًا وصيفيًّا، حيث يُمكن وضع فراش النوم فيها للتمتع بالهواء البارد والابتعاد عن حرارة الأرضية.
وتتميز “الطِّيرمة” بموقعها في الدور العلوي أو فوق السطح مباشرة، مما يكسبها إطلالة مميزة وارتفاعًا يسهل عملية التهوية. هذا التصميم الذكي يساهم في تكييف المساحة بشكل طبيعي، ويقلل من الاعتماد على الوسائل الاصطناعية للتبريد في فصل الصيف، مما يعكس فهمًا عميقًا للعمارة التقليدية للتكيف مع المناخ المحلي.
تراجع استخدام “الطِّيرمة” وتلاشي الكلمة نفسها يعكس التغيرات المعمارية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة. مع تطور أساليب البناء ودخول مفاهيم تصميم حديثة، اختفت هذه الغرف المميزة من المنازل الجديدة. ورغم اختفائها من الواقع المعيشي، فإنها تظل جزءًا من الذاكرة الثقافية والتاريخية للمجتمعات الحجازية.
مستقبل “الطِّيرمة” يبقى مرهونًا بالجهود المبذولة لإحياء التراث المعماري. قد نشهد في المستقبل مبادرات لتضمين عناصر مماثلة في التصميمات الحديثة، بهدف استعادة روح الأصالة وتقديم حلول معمارية مستدامة. إلا أن التحدي يكمن في تحقيق التوازن بين الحداثة والحفاظ على الهوية.





