السخونة عرض لا مرض.. صرخة طبية لإنقاذ المرضى

تزايد الممارسات الخاطئة في التعامل مع الحرارة (السخونة) كمرض بحد ذاته، بدلاً من اعتبارها عرضًا لمرض آخر، يثير قلقًا متزايدًا بين الأطباء والمتخصصين في القطاع الصحي. هذا المفهوم الخاطئ، الذي لا يزال منتشرًا حتى بين بعض الأطباء حديثي التخرج، يؤدي إلى استخدام مفرط وغير مبرر للأدوية، خاصة المضادات الحيوية، مما يهدد الصحة العامة. ويهدف خبراء الصحة إلى تصحيح هذا التصور الخاطئ وتوعية المجتمع والأطباء على حد سواء.
أكد الدكتور محمد عمر، أستاذ أمراض الباطنة وطب الحالات الحرجة بجامعة المنيا، أن السخونة ليست مرضًا، بل استجابة طبيعية من الجسم لمكافحة العدوى أو الاستجابة لعملية التهابية. وتجاهل البحث عن السبب الجذري للسخونة والتركيز فقط على خفض درجة الحرارة قد يؤدي إلى تأخير التشخيص الصحيح وتفاقم الحالة، بل وحتى الوفاة.
أهمية التشخيص الدقيق قبل علاج الحرارة
يشدد الأطباء على أن التشخيص الدقيق هو الخطوة الأولى والأهم في التعامل مع أي حالة مصحوبة بحرارة. فالحرارة قد تكون نتيجة لمجموعة واسعة من الأمراض، بدءًا من الالتهابات البكتيرية والفيروسية الشائعة، وصولًا إلى الأمراض المناعية والسرطان. لذلك، فإن إعطاء أدوية دون تحديد السبب الحقيقي يعد بمثابة إضاعة للوقت وتعريض المريض لمخاطر غير ضرورية.
مخاطر الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية
يعد الاستخدام المفرط للمضادات الحيوية من أكبر التحديات التي تواجه الصحة العامة في المنطقة والعالم. وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فإن مقاومة المضادات الحيوية تتزايد بوتيرة خطيرة، مما يجعل علاج العديد من الأمراض المعدية أكثر صعوبة وتكلفة. ويؤدي استخدام المضادات الحيوية بشكل غير ضروري إلى موت البكتيريا الحساسة، مما يفسح المجال للبكتيريا المقاومة للتكاثر والانتشار.
الحالات التي تتطلب تدخلًا فوريًا
تعتبر بعض الحالات المصحوبة بحرارة خطيرة للغاية وتتطلب تدخلًا طبيًا فوريًا. على سبيل المثال، الإنتان (التعفن) هو حالة تهدد الحياة تحدث عندما يستجيب الجسم بشكل مفرط لعدوى ما. في هذه الحالة، لا يكفي مجرد خفض درجة الحرارة، بل يجب معالجة مصدر العدوى وتقديم الرعاية الداعمة اللازمة. بالإضافة إلى ذلك، قد تكون الحرارة علامة على وجود جسم غريب داخل الجسم يتطلب إزالته.
أنواع العدوى التي تسبب الحرارة
تتنوع مسببات الحرارة بشكل كبير. فهي قد تكون ناتجة عن عدوى بكتيرية، مثل التهاب الرئة أو التهاب المسالك البولية. كما يمكن أن تكون ناتجة عن عدوى فيروسية، مثل الإنفلونزا أو فيروس كورونا المستجد. وفي بعض الحالات، قد تكون الحرارة ناتجة عن عدوى فطرية أو طفيلية، مثل الملاريا أو الأميبا. الأطباء يركزون على تحديد نوع العدوى بدقة قبل وصف العلاج المناسب.
العدوى ليست السبب الوحيد لارتفاع درجة الحرارة. يمكن أن تحدث الحرارة أيضًا نتيجة لأمراض المناعة الذاتية، مثل الذئبة الحمراء والتهاب المفاصل الروماتويدي، أو نتيجة لتكسير خلايا الدم الحمراء في حالات فقر الدم الانحلالي، أو حتى كجزء من الاستجابة لبعض أنواع السرطان. الاستخدام غير المبرر للمضادات الحيوية في هذه الحالات لا يفيد المريض على الإطلاق، بل قد يضر به.
تزداد أهمية التوعية بخصوص التعامل الصحيح مع الحرارة مع ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف وتزايد انتشار الأمراض المعدية. يجب على الأفراد طلب العناية الطبية الفورية في حالة ارتفاع درجة الحرارة بشكل مفاجئ أو استمرارها لأكثر من بضعة أيام. كما يجب عليهم تجنب تناول الأدوية دون استشارة الطبيب.
من المتوقع أن تطلق وزارة الصحة والسكان حملة توعية واسعة النطاق في الأشهر القادمة، تستهدف الجمهور والأطباء على حد سواء، بهدف تصحيح المفاهيم الخاطئة المتعلقة بالحرارة وتعزيز الممارسات الطبية السليمة. كما يجري العمل على تحديث البروتوكولات العلاجية لضمان تقديم أفضل رعاية للمرضى الذين يعانون من ارتفاع درجة الحرارة. وينتظر أيضًا صدور تقرير مفصل من هيئة الدواء المصرية حول أسباب الإفراط في استخدام المضادات الحيوية وتقديم توصيات للحد من هذه الظاهرة.





