Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
ثقافة وفنون

حين بدأت الحكاية.. كيف يقرأ فيلم “فلسطين 36” جذور النكبة؟

يعرض فيلم “فلسطين 36″، الذي ألّفته وأخرجته آن ماري جاسر، دراما تاريخية فلسطينية تستكشف جذور الصراع قبل النكبة. الفيلم، وهو إنتاج مشترك بين عدة دول، يركز على الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، مصورًا إياها كصراع يومي مستمر وليس مجرد معركة عسكرية. يعتبر “فلسطين 36” الترشيح الرسمي لفلسطين لسباق جوائز الأوسكار الـ 98 لفئة أفضل فيلم دولي، وقد حظي بعروض عالمية وترشيحات بارزة.

يتناول الفيلم الفترة التي شهدت ضغوطًا متزايدة على السكان الفلسطينيين من قبل الانتداب البريطاني والهجرة اليهودية المتصاعدة. يسلط الضوء على معاناة ومقاومة أطياف مختلفة من المجتمع الفلسطيني، من الفلاحين إلى رجال المقاومة والطبقة البرجوازية، مقدمًا رؤية إنسانية للصراع السياسي والاجتماعي.

فلسطين 36: الثورة كحياة يومية لا كمعركة

فيلم “فلسطين 36” يأخذ المشاهد إلى قلب الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، مقدمًا رؤية فريدة تجعل من الثورة جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية للفلسطينيين. يتجاوز الفيلم السرد التاريخي التقليدي للأحداث العسكرية ليغوص في الصراعات النفسية والأخلاقية للشخصيات. يصور الفيلم كيف طالب الفلسطينيون بحياتهم الطبيعية وحريتهم بأبسط صورها، مثل التنقل بحرية دون مضايقات.

تُبرز كاميرا آن ماري جاسر حجم المعاناة والمقاومة في ظل واقع سياسي واجتماعي قاهر. يتعرض السكان الفلسطينيون لضغوط مزدوجة، الأولى من سلطة الانتداب البريطاني، والثانية من تفاقم الهجرة اليهودية، مما يضعهم في موقف صعب أشبه بأنهم يدفعون ثمن قرارات لا تخصهم.

ينسج الفيلم قصة متكاملة من حدث تاريخي، محولًا الثورة الفلسطينية الكبرى من مجرد فصل في كتب التاريخ إلى تجربة إنسانية حية. يركز على التأثير التدريجي للتغيير الاجتماعي على الأفراد، والصراع الذي قاده الفلسطينيون لمحاولة البقاء في ظل ظروف متغيرة.

يقدم “فلسطين 36” إجابات محتملة للسؤال حول كيفية تحول فلسطين من بلد تحت الانتداب إلى دولة تتصارع فيها شعوبها مع عدو يسعى لإبادتها. يتتبع الفيلم التطورات خلال السنوات المفصلية التي سبقت النكبة، موضحًا كيف تصاعدت الأوضاع.

تستخدم المخرجة آن ماري جاسر أسلوب سرد تتداخل فيه حياة المدينة والقرية، وشخصيات متعددة. يتم تقديم الأحداث من منظور إنساني يبرز تأثير السياسة والصراع على حياة الناس العاديين، بدلاً من التركيز فقط على التفاصيل العسكرية أو السياسية. المدينة والقرية ليستا مسرحين منفصلين، بل فضاءين يتقاطعان، وتعكس شخصية الشاب يوسف، الذي يتحرك بينهما، هذا الترابط.

على الرغم من النية النبيلة للمخرجة في تقديم صورة شاملة، إلا أن محاولة تغطية تفاصيل الحياة اليومية والسياسية جعلت الفيلم يزخر بالشخصيات الثانوية والأحداث الجانبية. هذا الاكتظاظ أدى إلى ظهور بعض القصص سطحية وغير مكتملة، مما أثر على عمقها وتأثيرها النفسي على المشاهد.

أخفقت المخرجة في تحقيق التوازن بين طموحها في تغطية حدث تاريخي شامل والقدرة على تكثيف الدراما حول شخصيات محورية. يحصل المتفرج على بانوراما واسعة للتاريخ والمجتمع الفلسطيني، ولكنه قد يجد صعوبة في تتبع شخصيات حقيقية ذات عمق. أهدر هذا النهج القدرات التمثيلية لفريق العمل الموهوب، حيث لم يحصل العديد من الممثلين سوى على فرص محدودة لإظهار مهاراتهم.

ما قبل النكبة: التراكم الذي صنع المأساة

في فيلم “فلسطين 36″، لا تُقدم الثورة كمواجهة مسلحة فقط، بل كحالة دائمة من القلق اليومي وسلسلة متواصلة من القرارات المصيرية. شخصيات المقاومة تظهر كأفراد يحاولون فعل الصواب في واقع خارج عن سيطرتهم، واقع تحكمه خطة استعمارية محكمة.

في مواجهة هذا التخطيط المنهجي، تظهر المقاومة كفعل أخلاقي بالدرجة الأولى، ورد فعل فطري يفتقر إلى التنظيم الكامل والعدة المادية. يستند هذا الرد فعل إلى إحساس عميق بالظلم وإدراك مبكر لكارثة وشيكة. الفيلم يطرح سؤالًا حول قدرة حركة شعبية تفتقر للدعم الدولي والبنية الصلبة على مواجهة مشروع عالمي مصمم لفرض أمر واقع.

الثورة في سياق الفيلم لا تُختزل في الكمين أو إطلاق النار، بل تصبح بنية حياة كاملة. الفلاح الذي يخبئ الثوار، والمرأة التي تنقل الطعام، والصحفية التي تكتب البيانات، والطفلة التي تخفي الأسلحة، جميعهم جزء من شبكة مقاومة يومية تتجاوز فكرة حمل السلاح.

الأخطاء التي يرتكبها رجال المقاومة، سواء بدافع الحماس أو نقص الخبرة، تبدو في سياق الفيلم مفهومة وشبه حتمية، لأنهم يقاتلون ضمن شروط غير عادلة. يقدم الفيلم المقاومة كفعل أخلاقي يومي قبل أن تكون فعلاً عسكريًا، تبدأ من الرغبة في العيش بكرامة، وحماية البيت والأرض والعائلة. هنا تكتسب الثورة طابعها الإنساني، كحالة ارتباك وصمود معًا.

يطرح “فلسطين 36” تصورًا واقعيًا ومأساويًا لطبيعة البدايات الأولى للاحتلال، باعتباره عملية مركبة وليست مجرد واقعة عسكرية فجائية. الاحتلال لا يظهر في صورته التقليدية، بل في هيئة أكثر تدرجًا ومراوغة، تبدأ بالانتداب البريطاني الذي يقيد حركة الفلسطينيين ويتحكم في مفاصل حياتهم.

يبرز الفيلم كيف تم إدخال المشروع الصهيوني تدريجيًا تحت مظلة الحماية البريطانية، عبر الهجرة المنظمة، تسليح العصابات، والتشريعات المنحازة، كلها تتحرك داخل غطاء قانوني. تتكشف هنا فكرة “الاحتلال المتلون”، الذي لا يقتحم دفعة واحدة.

يؤكد الفيلم أن ما قبل النكبة هو مفتاح الفهم، وأن النكبة لم تكن حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة تراكم طويل من السياسات والتحولات البنيوية. تصوير تلك السنوات كمرحلة تأسيسية للصراع يعيد ترتيب الوعي الزمني بالمأساة؛ فالكارثة لم تبدأ بالتهجير الجماعي، بل باختلال ميزان العدالة تحت سلطة انتداب كان يهيئ الأرض لمشروع إحلالي. تكمن أهمية فيلم “فلسطين 36” في هذه المعالجة، حتى مع وجود مجرد مشاكل فنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى