Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
ثقافة وفنون

رمضان في عيون الغرباء.. كيف وصف رحالة العالم ليالي مصر؟

استقطب شهر رمضان المبارك منذ القدم اهتمام المسافرين والرحالة الذين زاروا مصر، مسجلين في مدوناتهم ومشاهداتهم الغنية عادات وتقاليد المصريين الفريدة خلال هذا الشهر الفضيل. من هؤلاء الرحالة المسلمون مثل ابن بطوطة وابن الحاج وابن جبير وناصر خسرو، بالإضافة إلى رحالة أجانب مثل الأب فيليكس فابري الذي وصف في القرن الخامس عشر ليالي القاهرة المضيئة بالفوانيس والمشاعل.

وخلال الحملة الفرنسية على مصر، لفت “المسحراتي” انتباه علماء الحملة، فكانوا يراقبون عن كثب دوره في إيقاظ الناس للسحور بدقه على طبوله. ويعود أصل هذه العادة، وفقًا للمؤرخ المصري الدكتور عبد الفتاح عاشور، إلى تقسيم القاهرة إلى أربعة أرباع، حيث كان مسؤولو هذه الأرباع يطوفون لإيقاظ السكان. وقد اعتمد أهل الإسكندرية أيضًا على دق الأبواب منادين أصحابها بأسمائهم.

تاريخ المسحراتي

تشير بعض الروايات إلى أن أول ظهور للمسحراتي في القاهرة يعود إلى عام 228هـ/843م، حيث كان رجل يمشي من مدينة العسكر إلى جامع عمرو بن العاص مناديًا الناس للسحور. وقد أولت الدولة الفاطمية اهتمامًا كبيرًا لشهر رمضان، حيث كانت تضيء المساجد والشوارع طوال الشهر من المغرب حتى الفجر.

كما حرص حكام الدولة الطولونية على إقامة مجالس للإنشاد الديني في قصر الحكم، يشارك فيها 12 منشدًا. ولعب سلاطين المماليك دورًا بارزًا في إظهار الكرم والعطاء، حيث كانوا يرسلون الهدايا ويتكفلون بإفطار الآلاف من الصائمين يوميًا، كما فعل السلطان الظاهر بيبرس بتخصيص مطابخ لإعداد الإفطار لخمسة آلاف صائم. كما اعتادوا عتق العبيد في رمضان، ووصل عتق بعضهم إلى ثلاثين عبدًا في الشهر الواحد.

وقد أمر بعض السلاطين بإعداد موائد سلطانية ضخمة، امتدت لأكثر من 170 مترًا، ودُعي إليها الأمراء والموظفون والأعيان. أما السلطان برقوق، فقد أمر بذبح 25 بقرة يوميًا لتوزيع لحومها وخبزها على الناس في المساجد والحارات وحتى السجون. ولم يقتصر التوزيع على السلاطين، بل امتد ليشمل الأغنياء الذين كانوا يوزعون صدقاتهم على الفقراء.

بعد صلاة التراويح، كان المقرئون يتلون القرآن، وفي الليلة الأخيرة يختتمونه، ثم ينشد المؤذنون ابتهالات صوفية يكبرون فيها الله، فينثر السلطان الدنانير والدراهم. وكان بعض الشيوخ يقرؤون صحيح البخاري في القلعة بحضور القضاة والفقهاء، بينما كان العلماء والقضاة يعقدون مجالسهم في الجامع الأزهر برئاسة قاضي القضاة.

يذكر الدكتور علي حسن، أستاذ التاريخ المملوكي، أن سلاطين الفاطميين كانوا يشاركون الناس صلاة التراويح ويحرصون على فعل الخير الذي يعم على الرعية. وكان الفنان الفرنسي جاك دو فيلامون، الذي زار مصر عام 1589، منبهرًا بكرم المصريين، واصفًا عادتهم في دعوة المارة لتناول الطعام معهم بحرارة وصدق.

كرم المصريين

رصد العالم الفرنسي غيوم أندريه فيوتو، في كتاب “وصف مصر”، مهنة المسحراتي، واصفًا إياهم بأنهم “نفر لا يسمع الناس غناؤهم إلا خلال رمضان فقط”. وحدد فيوتو أصول عمل المسحراتي، حيث يلتزم كل منهم بشوارع منطقته المتفق عليها، ويردد الأدعية الدينية والأشعار، ويمتدح أرباب الأسر دون ذكر أسماء السيدات. كما شارك المهندس والمؤرخ الفرنسي فرنسوا جومار في دراسة عادات وتقاليد شهر رمضان.

وقد وصف جومار التزام جميع المصريين بالامتناع عن الطعام والشراب والتدخين بين شروق الشمس وغروبها، يتبعه استمتاع كبير بعد الإفطار. ولاحظ أن الشوارع تضاء وتعج بالحياة والصخب، حيث يتنقل الناس بين الأسواق والمقاهي حتى أذان الفجر.

وبعد الحملة الفرنسية بسنوات، كتب كلوت بك، مؤسس أول مدرسة للطب في مصر، في كتابه “لمحة عامة عن مصر”، أن شهر رمضان ليس شهر ترفيه بل شهر حرمان من الشهوات، وأن الصيام يشمل الامتناع عن الطعام والشراب والتدخين والروائح العطرية، وأن بعض المرضى يتجاوزون رخص الإسلام بالصوم.

تنوعت فعاليات رمضان بين الذهاب للمساجد، والاستماع لشعراء الربابة والمنشدين في المقاهي، ومشاهدة ألعاب الحواة وحلقات الذكر. كما كان الناس يرتادون منطقة الأزبكية للاستمتاع بالفرق الموسيقية ومشاهد “خيال الظل” و”الأراجوز”، وتناول الأطعمة والمشروبات الرمضانية.

وفي كتابه “المصريون المحدثون، عادتهم وشمائلهم”، سجل المستشرق الإنجليزي إدوارد وليم لين إبلاغ الناس بعضهم بعضًا بثبوت رؤية هلال رمضان، وتطوف الفرق في أنحاء القاهرة تهتف “صوموا صوموا”. ورصد لين خروج المسحرين كل ليلة وهم يرفعون أصواتهم بالمدائح النبوية، ومنها:

اصحى يا غفلان.. وحّد الرحمن
ويا نايم وحد الدايم
يـا غافل وحد الله
يا نايم وحد مولاك
اللّي خلقك ما بنساك
قوموا إلى سحوركم
جاء رمضان يزوركم

كما سجل لين أن المسحراتي كان يعرف أسماء سكان كل منزل وينادي كل منهم باسمه، مقابل قرشين أو ثلاثة أو أربعة في العيد من كل بيت.

حياة اجتماعية ثرية

سجل الرحالة البريطاني ريتشارد بيرتون في كتابه “رحلة بيرتون إلى مصر والحجاز” عام 1853، لحظات مهمة مثل انطلاق مدفع الإفطار وتكبيرات المؤذنين، واصفًا القاهرة بأنها تفيق من غشيتها قبيل المغرب، وأن الناس يرقبون لحظة الأذان بلهفة.

وأشار لين إلى صمت الشوارع وتراخي حركة الحياة نهارًا، وقبيل المغرب توضع مائدة الإفطار في غرفة الاستقبال ويستقبل رب الدار ضيوفه، وتجهز صواني المكسرات والتمر والحلوى. ومع أذان المغرب، يتناول الأسرة أو الضيوف المشروبات، ثم يؤدون صلاة المغرب، ويتناولون شيئًا من المكسرات والمدخنات، ثم الإفطار، وبعدها صلاتي العشاء والتراويح.

كان بعض المسحراتية ينشدون قصصًا دينية كالإسراء والمعراج، ويلتزمون الصمت عند مرورهم ببيت حزين. ورصد لين أن نساء الطبقة المتوسطة كن يلقين بقطعة نقود معدنية ملفوفة إلى المسحراتي ليردد لهن المدائح النبوية أو حكايات المعارك.

وتحدث لين عن ليلة القدر، وأن المسلمين يعتقدون أنها الليلة التي فُتحت فيها أبواب السماء واستجيبت فيها الدعوات. فيما يتعلق بالشهر القادم، يتوقع استمرار الاحتفال بشهر رمضان وتقاليده العريقة، مع استمرار دور المسحراتي في إيقاظ الناس للسحور، والذي وإن واجه بعض التحديات الحديثة، إلا أن روحه كجزء لا يتجزأ من الهوية الرمضانية المصرية لا تزال مستمرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى