«سنة الهدامة».. العاصفة التي تحولت إلى تقويم

في الثامن من ديسمبر عام 1934، شهدت الكويت كارثة طبيعية مروعة عُرفت باسم “سنة الهدامة”، وهي عاصفة شتوية قوية تسببت في فيضانات واسعة النطاق وأضرار جسيمة. هذه الأحداث التاريخية لا تزال حاضرة في الذاكرة الكويتية، وتُستخدم كمرجع زمني للأحداث اللاحقة. وقد أثرت سنة الهدامة بشكل كبير على البنية التحتية والمجتمع الكويتي في ذلك الوقت.
ضربت العاصفة البلاد بأمطار غزيرة تجاوزت 300 ملم في ثلاثة أيام متتالية، وهو معدل يفوق الأمطار السنوية المعتادة. تسببت الفيضانات في تدمير أكثر من 500 منزل، خاصة في المناطق الواقعة بين دروازة عبدالرزاق وقصر نايف في مدينة الكويت، وأدت إلى تضرر حوالي 18 ألف شخص. وقد استدعت هذه الكارثة استجابة حكومية سريعة لمواجهة الأضرار وتقديم المساعدة للمتضررين.
سنة الهدامة: نظرة على أسوأ كارثة طبيعية في تاريخ الكويت
لم تكن سنة الهدامة مجرد عاصفة مطرية، بل كانت حدثًا تاريخيًا أثر بعمق في المجتمع الكويتي. تعتبر هذه الكارثة الأسوأ من نوعها في تاريخ الكويت الحديث، حيث تجاوزت آثارها مجرد الأضرار المادية لتشمل جوانب اجتماعية ونفسية كبيرة. وقد وثقت القصائد الشعرية والأغاني الشعبية تلك الفترة العصيبة، لتخليد ذكرى المعاناة والصمود.
الأسباب والتداعيات المباشرة
وفقًا للسجلات التاريخية، كانت العاصفة نتيجة لمنخفض جوي قوي تسبب في هطول أمطار غزيرة بشكل غير مسبوق. أدت الأمطار الغزيرة إلى ارتفاع منسوب المياه في الشوارع والأودية، مما أدى إلى انهيار العديد من المنازل المبنية من الطين، وهي المادة الأساسية المستخدمة في البناء في ذلك الوقت.
بالإضافة إلى ذلك، تسببت الفيضانات في تعطيل الحياة اليومية، وإغلاق المدارس والمحلات التجارية، وتعطيل حركة المرور. كما أدت إلى نقص في المواد الغذائية والمياه النظيفة، مما زاد من معاناة المتضررين. سجلت دائرة الصحة آنذاك 11 إصابة، ووفاة شخصين نتيجة للفيضانات.
الاستجابة الحكومية والجهود الإغاثية
في مواجهة هذه الكارثة، تحركت الحكومة الكويتية بسرعة لتشكيل لجنة مشتركة من البلدية والأشغال العامة لتقييم الأضرار وتقديم المساعدة للمتضررين. تم تقسيم مدينة الكويت إلى مناطق عمل، وتعيين مراقبين لمتابعة الأوضاع على الأرض.
كما ساهمت شركة نفط الكويت المحدودة بسياراتها في سحب المياه الراكدة من الشوارع، وتوفير المساعدة اللوجستية. وقد وفرت الدولة المساجد والمباني الحكومية والكتاتيب كمأوى مؤقت للمتضررين الذين اضطروا إلى ترك منازلهم. وتعد هذه الاستجابة الحكومية السريعة مثالاً على التزام الكويت برعاية مواطنيها في أوقات الأزمات.
سنة الهدامة في سياق تاريخي
لم تكن سنة الهدامة العاصفة الوحيدة التي ضربت الكويت عبر التاريخ. فقد سبقتها حادثة “الرجبية” في أكتوبر 1872، وأمطار عام 1954 التي تسببت أيضًا في فيضانات وأضرار كبيرة. ومع ذلك، يرى المؤرخون أن سنة الهدامة كانت الأكثر تأثيرًا على الصعيد الاجتماعي والنفسي، نظرًا لحجم الأضرار والخسائر التي تسببت بها.
وقد أدت هذه الكارثة إلى إعادة تقييم أساليب البناء التقليدية، والبحث عن مواد بناء أكثر مقاومة للظروف الجوية القاسية. كما ساهمت في تطوير البنية التحتية في الكويت، وتحسين أنظمة الصرف الصحي، لتقليل خطر الفيضانات في المستقبل. وتشير الدراسات إلى أن هذه الأحداث ساهمت في تعزيز الوعي بأهمية الاستعداد للكوارث الطبيعية.
تعتبر دراسة سنة الهدامة ضرورية لفهم التحديات التي واجهت الكويت في الماضي، والاستفادة من الدروس المستفادة في مواجهة المخاطر الطبيعية المستقبلية. وتشكل هذه الكارثة جزءًا لا يتجزأ من الذاكرة الجماعية للكويتيين، وتذكرهم بأهمية التكاتف والتعاون في أوقات الأزمات.
في الوقت الحالي، تعمل الجهات الحكومية المعنية على تحديث خطط الطوارئ والاستعداد للكوارث الطبيعية، مع التركيز على تطوير البنية التحتية وتحسين أنظمة الإنذار المبكر. ومن المتوقع أن يتم الانتهاء من مراجعة شاملة لخطط الاستجابة للكوارث بحلول نهاية العام المقبل. يبقى من الضروري مراقبة التطورات المناخية والتغيرات الجوية، والاستعداد لمواجهة أي تحديات مستقبلية قد تواجه البلاد.





