شارع النبي دانيال بالإسكندرية.. قبلة المثقفين التي نسيها المصريون

شارع النبي دانيال في الإسكندرية، تحفة معمارية وتراثية، يشهد تراجعًا ملحوظًا في بريقه الثقافي والسياحي. لطالما كان هذا الشارع، الذي يقع في قلب المدينة، مقصدًا للباحثين عن الكتب النادرة والتحف التاريخية، وملاذًا للمثقفين والسائحين على حد سواء. ولكن، مع مرور الوقت، بات الشارع يواجه تحديات كبيرة تهدد هويته المميزة، وتطرح تساؤلات حول مستقبل هذا المعلم التاريخي الهام.
يعود تاريخ شارع النبي دانيال إلى العصر اليوناني القديم، حيث كان يُعرف باسم “دي كومناس كادو” أو “شارع المنفذين”. تطور الشارع عبر العصور، وشهد تأثيرات ثقافية متنوعة، ليصبح ما هو عليه اليوم، مزيجًا فريدًا من العمارة والتاريخ والدين. ولكن، هل ما زال هذا المزيج الفريد قادرًا على الصمود في وجه التغيرات الحديثة؟
أهمية شارع النبي دانيال وتحديات الحفاظ عليه
لطالما اشتهر شارع النبي دانيال بكونه مركزًا لتجارة الكتب القديمة والنادرة، حيث تنتشر الأكشاك والمكتبات التي تعرض مجموعات قيمة من المخطوطات والكتب المطبوعة. بالإضافة إلى ذلك، يضم الشارع العديد من المعالم الدينية والتاريخية الهامة، مثل مسجد النبي دانيال ومعبد إلياهو حنابي والكنيسة المرقسية، مما يجعله نقطة التقاء للحضارات والأديان المختلفة. هذه التنوع الثقافي هو ما يميز شارع النبي دانيال عن غيره من الشوارع في الإسكندرية.
ومع ذلك، يواجه الشارع العديد من التحديات التي تهدد هويته وتجعله يفقد رونقه. من أبرز هذه التحديات: انتشار الباعة الجائلين الذين يعرضون بضائع غير متوافقة مع الطابع الثقافي والتاريخي للشارع، وتراجع الإقبال على شراء الكتب القديمة بسبب انتشار وسائل التكنولوجيا الحديثة، وعدم كفاية أعمال الصيانة والترميم للمباني التاريخية، والاختناق المروري الذي يعاني منه الشارع بسبب تساهل السلطات مع السيارات.
تأثير التغيرات الاجتماعية والاقتصادية
تأثر شارع النبي دانيال بشكل كبير بالتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها مصر في العقود الأخيرة. فمع تزايد عدد السكان وتوسع المدن، باتت المساحات المخصصة للتراث الثقافي والتاريخي مهددة بالاندثار. كما أن ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين أدى إلى انخفاض الطلب على الكتب القديمة والتحف التاريخية، مما أثر سلبًا على تجارة الشارع. بالإضافة إلى ذلك، ساهم انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في تغيير عادات القراءة والبحث عن المعلومات لدى الشباب، مما أدى إلى عزوفهم عن زيارة المكتبات والأكشاك التقليدية.
جهود التطوير والمحافظة على الهوية
أعلنت محافظة الإسكندرية في عام 2023 عن خطة لتطوير شارع النبي دانيال وإعادة تأهيله، بهدف الحفاظ على هويته المميزة وتعزيز دوره السياحي والثقافي. تضمنت الخطة ترميم المباني التاريخية وتطوير واجهات المحلات والأكشاك، وتنظيم حركة المرور، وإزالة الباعة الجائلين. ولكن، وفقًا لبعض السكان المحليين، فإن هذه الخطة لم تحقق النتائج المرجوة، بل أدت إلى طمس بعض معالم الشارع الأصلية.
يرى البعض أن عملية الترميم تمت على عجل وبدون مراعاة الطابع المعماري والتاريخي للمباني، مما أدى إلى تغيير شكلها وفقدانها أصالتها. كما أن إزالة الباعة الجائلين لم تكن شاملة، ولا يزال العديد منهم يعرضون بضائعهم بشكل عشوائي في الشارع. بالإضافة إلى ذلك، لم يتم حل مشكلة الازدحام المروري بشكل جذري، ولا يزال الشارع يعاني من صعوبة حركة المرور.
مستقبل شارع النبي دانيال: بين التحديات والآمال
يبقى مستقبل شارع النبي دانيال معلقًا بين التحديات والآمال. فمن جهة، هناك خطر حقيقي يتمثل في فقدان الشارع لهويته المميزة وتحوله إلى مجرد شارع تجاري عادي. ومن جهة أخرى، هناك فرصة لإعادة إحياء الشارع وتعزيز دوره كمركز ثقافي وسياحي هام.
لتحقيق ذلك، يجب على السلطات المحلية والمجتمع المدني العمل معًا لوضع خطة تطوير شاملة ومستدامة، تراعي الطابع التاريخي والثقافي للشارع، وتحافظ على هويته المميزة. يجب أيضًا تشجيع الاستثمار في الشارع، وجذب السياح والمثقفين، وتنظيم الفعاليات الثقافية التي تعزز مكانته كمنارة ثقافية في الإسكندرية.
من المتوقع أن تعلن محافظة الإسكندرية عن مراجعة لخطة التطوير الحالية في الربع الأول من عام 2024، مع الأخذ في الاعتبار ملاحظات السكان المحليين والخبراء في مجال التراث الثقافي. وسيكون من المهم متابعة هذه المراجعة، والتأكد من أنها ستؤدي إلى وضع خطة أكثر فعالية وملاءمة لتحقيق أهداف الحفاظ على شارع النبي دانيال وإعادة إحيائه.





