الاستدامة.. وإعمار الأرض.. بقلم: د .جابر الوندة

بقلم: د.جابر الوندة
مررنا سريعا في المقالات السابقة على تعريف التنمية المستدامة ومجالاتها ونطاقاتها الثلاث، وخطأ التركيز على أحد جوانب الاستدامة فقط، كالتركيز على الاستدامة المالية، بل يجب تفعيل وتحقيق جميع جوانب الاستدامة، ونقترح بكل بساطة وضع كلمة «استدامة» بجوار أي «كلمة» أو «مفهوم» أو«قضية» تهتم بها أي مؤسسة، ومن ثم نعمل على تحقيقها وتفعيلها، فنضع مثلا كلمة «استدامة» مقرونة بـ «التنظيم» فيكون هناك سعي لـ «الاستدامة التنظيمية» المطلوب تفعيلها، وكذا الأمر مع «الاستدامة التشغيلية» المطلوب تحقيقها، و«الاستدامة التحسينية» المطلوب تبنيها، و«الاستدامة المؤسسية» المطلوب الوصول إليها.. وهكذا.
وقد ذكرنا سابقا الأهداف السبعة عشر للتنمية المستدامة، ودور الدول أو المؤسسات للتعاطي الإيجابي معها.. لكن ما معنى التعاطي الإيجابي؟ وكيف ننطلق في التعامل معها؟ وهل يجب أن نقبل هذه الأهداف السبعة عشر بصيغها المذكورة نصا؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة سنتناول فيما يلي نقطتين رئيستين هما: كيف نتعاطى إيجابيا مع هذه الأهداف انطلاقا من فهمنا لأهمية الاستدامة في ثقافتنا وشرعنا الحنيف؟ والنقطة الثانية هي: تحفظنا على صياغة بعض الأهداف أو إعادة نظر لها من منطلقات إنسانية ومنطقية.
فنحن إذا نظرنا إلى أهم دوائر الاستدامة ونطاقاتها ـ بداية من دائرة الاقتصاد، ودائرة البيئة، ودائرة المجتمع والناس، ودائرة الحوكمة والضبط ـ لوجدنا حرصا ظاهرا وتفعيلا ممنهجا لها في حضارتنا ومسار تاريخنا وإعلاء لشأنها، وهو ما يوضح أن هذه الأفكار والأهداف الأممية والتوجيهات المؤسسية ستجد مكانها في واقعنا بصورة ميسورة إذا أحسنا العمل، ولن تحتاج إلى كثير عناء أو مشقة في بيان أهميتها أو جدواها، بقدر ما ستحتاج إلى التفعيل في واقع الناس ومعاشهم، وإعادة إحيائها والتركيز عليها من جديد.
كما أن حضارتنا وثقافتنا حددت وبنت منهجية متكاملة لتعامل الفرد والمؤسسات مع هذه الدوائر الخاصة بالاستدامة ودوائرها بمفهومها الحديث، بحيث تكون هذه المنهجية ضابطة وموجهة ومنظمة ومحكمة، وذلك بداية وانطلاقا من كون هذا الإنسان هو خليفة الله في هذه الأرض، مطلوب منه تعميرها لا إفسادها، والسير فيها وفق الضوابط والفطرة السوية، لا وفق الأهواء والنوازع والرغبات المهلكة له ولبيئته ومحيطه الاقتصادي والبيئي والاجتماعي، حيث إن الله سبحانه خلقنا لعمارة هذه الأرض لا استنفادها وإهلاكها (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها)، فنحن من هذه الأرض مطالبون بإعمارها لا إفسادها بيئيا أو اقتصاديا، أو التعسير على معاش الناس فيها.
وتحرص هذه المنهجية الحضارية على تنمية ونشر وازع ودافع الفرد والمؤسسات وسعيها نحو بقاء الأثر وامتداد التأثير، والحفاظ على الاستمرارية والديمومة، وإحداث الفرق في البيئة والاقتصاد وحياة الفرد والناس، ومن هنا نفهم النهي المركوز في حضارتنا بكثرة وبجلاء عن الإفساد في الأرض، والنكير على الفساد والمفسدين فيها.. ونفهم أيضا الحث على التعمير والإنماء والاستدامة حتى في أحلك الظروف وضبابية المشهد، حتى إن النبي الكريم يقول «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها».