فريد زكريا: هكذا رد العالم على أميركا غير الموثوقة

بدأت العديد من الدول حول العالم في إعادة تقييم علاقاتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة، وتشكيل تحالفات جديدة، وذلك في ظل سياسات واشنطن غير المتوقعة والمتغيرة. هذا التحول يؤثر بشكل كبير على الاقتصاد العالمي، ويضع مستقبل التجارة الدولية على المحك. وتظهر مؤشرات متزايدة على أن بعض القوى الاقتصادية الكبرى تسعى إلى تقليل اعتمادها على أمريكا، وتنويع شركائها التجاريين.
وفي هذا السياق، أشارت تقارير حديثة إلى أن أوروبا والصين وكندا تتخذ خطوات ملموسة نحو بناء شبكات تجارية مستقلة، مما يعكس حالة من عدم اليقين بشأن الدور المستقبلي للولايات المتحدة في النظام الاقتصادي العالمي. هذا التوجه يثير تساؤلات حول مستقبل العولمة، وتوازن القوى الاقتصادية بين الدول.
تحالفات اقتصادية جديدة وتأثيرها على الاقتصاد العالمي
أظهرت أوروبا مرونة ملحوظة في التعامل مع الرسوم الجمركية الأمريكية الأخيرة، حيث تجنبت التصعيد التجاري وركزت على تعزيز علاقاتها مع دول أخرى. فقد وافقت دول الاتحاد الأوروبي مؤخرًا على اتفاقية تجارية شاملة مع دول أمريكا الجنوبية (البرازيل والأرجنتين وباراغواي وأوروغواي) بعد 25 عامًا من المفاوضات، مما سيؤدي إلى إنشاء واحدة من أكبر مناطق التجارة الحرة في العالم.
بالإضافة إلى ذلك، نجحت أوروبا في حل العديد من الخلافات التجارية مع الصين، خاصة فيما يتعلق بالسيارات الكهربائية والإعانات الحكومية. وتنظر أوروبا إلى الصين كشريك اقتصادي مهم، على الرغم من بعض التحفظات بشأن سياساتها التجارية ونظامها السياسي.
وفي الوقت نفسه، كثفت أوروبا جهودها للتواصل مع دول جنوب شرق آسيا، وأبرمت اتفاقيات تجارية مع سنغافورة وفيتنام، وتسعى إلى إقامة شراكات جديدة في المنطقة. تعتبر دول جنوب شرق آسيا شريكًا تجاريًا رئيسيًا للاتحاد الأوروبي، وتمثل سوقًا واعدة للشركات الأوروبية.
ردود الفعل الكندية على السياسات الأمريكية
كندا، بدورها، أعادت النظر في علاقاتها مع الولايات المتحدة على خلفية الرسوم الجمركية الأمريكية والتهديدات بإعادة التفاوض على الاتفاقيات التجارية. أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن سعي بلاده إلى تنويع شركائها التجاريين، وزيادة حجم التجارة مع الدول الأخرى بنسبة 50% خلال السنوات العشر القادمة.
هذا التحول الكندي يعكس قلقًا متزايدًا بشأن الاعتماد على السوق الأمريكية، ورغبة في بناء اقتصاد أكثر تنوعًا ومرونة. وتسعى كندا إلى تعزيز علاقاتها التجارية مع دول آسيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية.
الصين تعزز مكانتها في الاقتصاد العالمي
تُظهر البيانات التجارية الصينية استمرار نمو صادراتها، وتوسع معاملاتها التجارية مع دول أمريكا اللاتينية وأفريقيا وأوروبا ومعظم أنحاء آسيا. وقد بلغ الفائض التجاري الصيني حوالي 1.2 تريليون دولار في عام 2025، مما يعكس قوة الاقتصاد الصيني وقدرته على المنافسة في الأسواق العالمية.
وبحسب مراقبين، لم تنجح الرسوم الجمركية الأمريكية في عزل الصين عن العالم، بل شجعت العديد من الدول على مواصلة التجارة معها. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن نسبة الدول التي تعتبر الولايات المتحدة حليفًا لها قد انخفضت في السنوات الأخيرة، في حين أن النظرة إلى الصين بدأت في التحسن.
مستقبل التجارة الدولية
يُظهر هذا التحول في العلاقات التجارية العالمية أن النظام الاقتصادي الدولي يشهد تغييرات جذرية. وتواجه الولايات المتحدة تحديًا كبيرًا في الحفاظ على دورها القيادي في الاقتصاد العالمي، في ظل تزايد نفوذ الصين وقوة أوروبا.
ويرى خبراء الاقتصاد أن مستقبل التجارة الدولية سيعتمد على قدرة الدول على بناء شراكات تجارية مستدامة، وتعزيز التعاون الاقتصادي، وتجنب الحمائية التجارية. ومن المتوقع أن تشهد السنوات القادمة مزيدًا من التنافس الاقتصادي بين الدول، وجهودًا لإنشاء مناطق تجارية حرة جديدة.
في الختام، من المقرر أن تجتمع قمة مجموعة العشرين في نوفمبر 2026 لمناقشة هذه التطورات، ووضع رؤية مستقبلية للنظام التجاري العالمي. يبقى أن نرى ما إذا كانت الدول ستتمكن من التوصل إلى اتفاق بشأن القواعد التجارية الجديدة، وكيف ستتعامل مع التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي.





