في ذكرى أنجيلا كارتر: “شهرزاد” التي ضاعت في الطريق إلينا

بينما روضت شهرزاد الوحش بالحكايات كي تؤجل سكينه، فإن الكاتبة البريطانية أنجيلا كارتر لم تكتفِ بتسكينه، بل اقتربت منه، لتفككه، نازعة عنه جلده الأسطوري إلى الأبد. هذا التمرد الأدبي، الذي يظهر في أعمالها، جعل من أنجيلا كارتر شخصية مثيرة للجدل ومؤلفة تركت بصمة واضحة في الأدب النسوي الحديث.
ولدت كارتر في لندن عام 1940 وتوفيت عام 1992، تاركة وراءها مجموعة من الروايات والقصص القصيرة والشعر التي تتحدى التقاليد الأدبية وتستكشف موضوعات الهوية والجنس والقوة. تتميز كتاباتها بأسلوبها الجريء والمبتكر، واستعارتها للأساطير والحكايات الشعبية لإعادة صياغتها بطرق جديدة ومثيرة للتفكير.
حساسية القارئ تجاه أعمال أنجيلا كارتر
لم تكن أعمال أنجيلا كارتر سهلة الاستقبال دائمًا، سواء في الغرب أو في الشرق. ففي حين استلهمت كارتر من الحكايات الشرقية، وخاصة “ألف ليلة وليلة”، لإعادة تقديمها في سياق غربي، واجهت أعمالها مقاومة بسبب جرأتها وتناولها للموضوعات الحساسة.
في الشرق، قد يكون هناك تردد في ترجمة ونشر أعمالها بسبب مخاوف من أنها قد تثير الجدل أو تتعارض مع القيم الثقافية التقليدية. أما في الغرب، فقد تم تصنيفها في بعض الأحيان على أنها “ساحرة بيضاء” غامضة، وهو ما قلل من تقديرها ككاتبة جادة.
التأثيرات المبكرة على حياة كارتر
نشأت أنجيلا كارتر في بيئة عائلية معقدة، حيث كانت والدتها محافظة للغاية ووالدها صحفيًا يقضي معظم وقته بعيدًا عن المنزل. هذه البيئة أثرت بشكل كبير على شخصيتها وكتاباتها، حيث وجدت في القراءة والكتابة ملاذًا من الواقع.
كانت والدتها تفرض قيودًا صارمة على ملابسها وسلوكها، مما أدى إلى تمردها في سن مبكرة. أما والدها، فكان يجلب معها قصصًا وحكايات من رحلاته، مما أثار خيالها وشجعها على الكتابة.
التفكيك الأسطوري في أعمالها
اشتهرت أنجيلا كارتر بتفكيكها للأساطير والحكايات الشعبية، وإعادة صياغتها بطرق جديدة ومثيرة للتفكير. في مجموعتها القصصية “الغرفة الدموية” (The Bloody Chamber)، على سبيل المثال، أعادت كتابة حكايات “تشارلز بيرو” والأخوين “غريم” لتكشف عن الجوانب المظلمة والمقلقة في هذه القصص.
لم تكتفِ كارتر بإعادة سرد هذه القصص، بل قامت بتحليلها ونقدها، وكشفت عن الطرق التي تستخدم بها الأساطير لفرض القيم الاجتماعية والسياسية. كما أنها استكشفت موضوعات القوة والجنس والعنف في هذه القصص، وقدمت رؤية نسوية جديدة ومبتكرة.
أنجيلا كارتر والتمرد على التقاليد
كانت أنجيلا كارتر كاتبة متمردة على التقاليد، سواء في حياتها الشخصية أو في كتاباتها. رفضت أن تتقيد بالقواعد الاجتماعية والأدبية، وسعت دائمًا إلى استكشاف آفاق جديدة وتحدي المفاهيم السائدة.
تجسد هذا التمرد في أسلوبها الكتابي الجريء والمبتكر، وفي تناولها للموضوعات الحساسة، وفي شخصياتها النسائية القوية والمستقلة. كما أنه يظهر في استخدامها للأساطير والحكايات الشعبية لإعادة صياغتها بطرق جديدة ومثيرة للتفكير.
التأثير على الأدب النسوي
كان لأعمال أنجيلا كارتر تأثير كبير على الأدب النسوي الحديث. لقد ألهمت العديد من الكاتبات لاستكشاف موضوعات الهوية والجنس والقوة من منظور نسوي، ولتحدي التقاليد الأدبية السائدة.
كما أنها ساهمت في تطوير مفهوم “النسوية ما بعد البنيوية”، الذي يركز على تحليل اللغة والسرد لفهم الطرق التي يتم بها بناء السلطة والسيطرة. تعتبر كارتر من أبرز رواد هذا الاتجاه في الأدب النسوي.
تستمر أعمال أنجيلا كارتر في إثارة الجدل والنقاش حتى اليوم، مما يدل على أهميتها وقيمتها الدائمة. من المتوقع أن تظل أعمالها مصدر إلهام للكاتبات والقراء على حد سواء، وأن تستمر في تحدي المفاهيم السائدة وتقديم رؤى جديدة ومبتكرة.





