في قمة الويب.. الذكاء الاصطناعي يحول بث المباريات إلى تجربة سينمائية تفاعلية

في أروقة قمة الويب 2026 بالدوحة، لم يعد الحديث عن جودة الصورة أو سرعة البث هو الشاغل الأكبر لمصنعي المحتوى الرياضي، بل انتقل التركيز نحو مفهوم جديد كليا وهو “المشاهدة الانغماسية“. ومع إعلان شبكات إعلامية عملاقة مثل مجموعة “بي إن” (beIN) عن الدمج الكامل للذكاء الاصطناعي في عمليات البث الحية، أدرك العالم أننا بصدد وداع حقبة “المشاهد السلبي” واستقبال عصر “المشاهد المخرج”.
هذا التحول يمثل نقطة تحول في طريقة استهلاك المحتوى الرياضي، حيث لم يعد المشاهد مجرد متلقي سلبي لما يعرض على الشاشة، بل أصبح قادراً على التحكم في تجربته البصرية والتفاعلية. وقد أعلنت الشبكات الإعلامية عن تقنيات جديدة تتيح للمشترك التحكم الكامل في تعدد الزوايا، وتتبع لاعب محدد طوال المباراة، أو التحول إلى “الكاميرا الطائرة” (Drone Cam) التي تحاكي ألعاب الفيديو.
حين تتحدث البيانات على العشب
الإضافة الأكثر إثارة للجدل في قمة الويب كانت دمج الواقع المعزز في البث المباشر. تخيل أنك تشاهد ركلة حرة مباشرة، وتظهر أمامك على الشاشة -في الوقت الفعلي- طبقة بيانية توضح سرعة الرياح، والمسافة الدقيقة، ونسبة نجاح التسجيل بناء على زاوية اللاعب وحائط الصد. هذه البيانات التي تعالجها محركات الذكاء الاصطناعي في أجزاء من الثانية، تحول المباراة إلى تجربة تعليمية وتفاعلية.
تعتمد هذه التقنية على تحليل كميات هائلة من البيانات الرياضية، بما في ذلك حركة اللاعبين، وسرعة الكرة، والظروف الجوية، لتقديم رؤى تكتيكية لم تكن متاحة إلا للمحللين المحترفين. وبحسب خبراء في مجال التحليل الرياضي، فإن هذه التقنية ستساعد المشجعين على فهم أعمق لاستراتيجيات اللعب واتخاذ القرارات.
معلقك المفضل بكل اللغات
لم يتوقف التحول عند الصورة، بل شمل الصوت أيضا. فقد استعرضت الشركات تقنيات “توليف الصوت” التي تتيح للمشاهد اختيار نبرة التعليق التي يفضلها. وبواسطة الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبح بإمكان الشبكات تقديم تعليق رياضي بـ50 لغة مختلفة في آن واحد، مع الحفاظ على الانفعالات البشرية والحماس.
هذا التطور يفتح آفاقاً جديدة للوصول إلى جمهور أوسع، خاصة في الأسواق الناشئة حيث قد لا تتوفر تغطية رياضية بلغاتهم المحلية. وتشير التقديرات إلى أن هذه التقنية قد تزيد من عدد المشتركين في خدمات البث الرياضي بنسبة تصل إلى 20% خلال السنوات الثلاث القادمة.
إضافة لذلك، فإن أحد المحاور التي نوقشت في القمة هي “المشاهدة الاجتماعية”. فالذكاء الاصطناعي مكن الشبكات من إنشاء غرف افتراضية (Virtual Lounges) تجمع الأصدقاء من دول مختلفة في مساحة رقمية واحدة لمشاهدة المباراة سويا. تظهر صورهم الرمزية (Avatars) وهي تتفاعل وتتحدث، مما يعيد خلق أجواء المقهى أو الملعب ولكن في فضاء افتراضي يتجاوز الحدود الجغرافية.
التحديات الاقتصادية والفرص الإعلانية
هذا التحول الإعلامي ليس تقنيا فحسب، بل هو منجم ذهب اقتصادي. فالإعلانات في الملاعب لن تكون ثابتة بعد الآن، فبفضل الذكاء الاصطناعي، سيظهر إعلان لسيارة لمشاهد في قطر، بينما يرى مشاهد في لندن إعلانا لشركة تأمين على نفس اللوحة الإعلانية في ذات اللحظة. هذا التخصيص يرفع من قيمة الحقوق الإعلانية للشبكات الرياضية ويجعل الإعلانات أقل إزعاجا وأكثر ملاءمة للمشاهد.
ومع ذلك، هناك تحديات اقتصادية يجب معالجتها، بما في ذلك تكلفة تطوير وتنفيذ هذه التقنيات الجديدة، وضمان الوصول العادل إليها لجميع المشاهدين. وتشير بعض التقارير إلى أن تكلفة البنية التحتية اللازمة لدعم المشاهدة الانغماسية قد تصل إلى مليارات الدولارات.
وبذلك فإن التحول الذي أعلنت عنه الشركات التقنية المشاركة في قمة الويب 2026 يمثل ثورة في فلسفة الإعلام الرياضي. وأصبح العالم اليوم أمام تكنولوجيا تجعل من المباراة تجربة شخصية فريدة، حيث يصبح المشجع هو البطل والمحلل والمخرج.
من المتوقع أن تشهد السنوات القليلة القادمة المزيد من الابتكارات في مجال البث الرياضي، بما في ذلك استخدام تقنيات الواقع الافتراضي (VR) والواقع المختلط (MR) لتقديم تجارب مشاهدة أكثر واقعية وتفاعلية. وستراقب الشركات الإعلامية عن كثب تطورات هذه التقنيات لتقييم إمكانية دمجها في عروضها. يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى سرعة تبني هذه التقنيات من قبل الجمهور، وما إذا كانت ستغير بشكل جذري طريقة مشاهدتنا للرياضة.





