قفزة أرباح البنك الأهلي السعودي: محرك رئيسي للسوق في 2026
تعيش الساحة المالية في المملكة حالة من الزخم الاستثنائي مع مطلع العام الجاري، حيث نجح البنك الأهلي السعودي في تحقيق نتائج مالية مذهلة تجاوزت سقف التوقعات، مما أعطى دفعة قوية لمجمل أخبار الاقتصاد السعودي التي تميل نحو التفاؤل والنمو المستدام. ومع إعلان البنك عن نمو أرباحه بنسبة 18% لتصل إلى 25 مليار ريال، تفاعلت سوق الأسهم بشكل إيجابي، حيث قفز السهم بأعلى وتيرة له منذ أشهر، ليعكس ثقة المستثمرين في متانة الأصول والقدرة التشغيلية لأكبر كيان مصرفي في البلاد من حيث حجم الأصول.
تفاصيل الأداء التشغيلي: كيف تحققت المليارات؟
لم تكن أرباح البنك الأهلي وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة استراتيجية دقيقة ركزت على تنويع مصادر الدخل وتعظيم العائد من العمليات الأساسية. بلغت إيرادات العمليات التشغيلية نحو 39.2 مليار ريال، مدعومة بعدة ركائز أساسية:
- صافي دخل التمويل والاستثمار: استفاد البنك من ارتفاع معدلات الإقراض في ظل المشاريع التنموية الكبرى.
- رسوم الخدمات المصرفية: شهدت الأنشطة البنكية والخدمات نمواً ملحوظاً مع زيادة وتيرة الاستهلاك والإنفاق الرأسمالي.
- دخل تحويل العملات: ساهمت العمليات الخارجية والتحويلات في رفد الميزانية بدخل إضافي مهم.
- كفاءة الإنفاق: نجح البنك في خفض المصاريف التشغيلية، مما ساهم في تحويل نسبة أكبر من الإيرادات إلى صافي ربح.
الفجوة بين القروض والودائع وتحدي السيولة
على الرغم من النتائج الباهرة، كشفت الميزانية العمومية للبنك عن ظاهرة صحية لكنها تتطلب إدارة حذرة؛ وهي نمو القروض بوتيرة أسرع من الودائع. سجلت محفظة القروض نمواً بنسبة 11.5%، بينما نمت الودائع بنسبة 9.7%. هذا التوجه يعكس الطلب الهائل على السيولة لتمويل مشاريع رؤية المملكة 2030، سواء للأفراد أو للشركات العملاقة.
اللجوء للأسواق الدولية
لمواجهة شح السيولة المحلي الناتج عن زيادة الإقراض، اتجه البنك الأهلي السعودي، مثله مثل بقية المصارف الكبرى، نحو الأسواق العالمية لجمع الأموال. ومن أبرز التحركات في مطلع 2026:
- إصدار صكوك بقيمة مليار دولار بعائد سنوي 6.15%.
- إصدارات سابقة بالدولار والريال خلال العام الماضي بعوائد تراوحت حول 6%.
هذه التحركات تضمن للبنك توفير التمويل اللازم للاستمرار في دعم النهضة الاقتصادية دون التأثير على كفاية رأس المال.
الاندماج التاريخي وثمار الاستحواذ
يأتي هذا الأداء القوي بعد مرور أربع سنوات على الاندماج التاريخي بين البنك الأهلي ومجموعة سامبا المالية في عام 2021. هذا الدمج لم يجعل “الأهلي” أكبر بنك سعودي فحسب، بل وضعه في المركز الثالث خليجياً. واليوم، نرى أن القيمة السوقية للبنك وصلت إلى نحو 258.8 مليار ريال، مقارنة بـ 90 مليار ريال فقط عند إدراجه في عام 2014، مما يعني أن رأس مال البنك تضاعف ثلاث مرات ليصل إلى 60 مليار ريال حالياً.
سوق الأسهم السعودية: موجة تفاؤل تجتاح “تاسي”
لا يمكن فصل نتائج البنك الأهلي عن الحالة العامة لمؤشر السوق الرئيسية “تاسي”. فقد استهل المؤشر جلساته الأخيرة على ارتفاعات ملحوظة، متجاوزاً مستويات مقاومة فنية مهمة. وهناك ثلاثة عوامل رئيسية تدعم هذا الصعود:
- انحسار المخاوف وفتح السوق
تراجعت المخاوف الجيوسياسية والاقتصادية التي سادت في بداية العام، وحل محلها ترقب لقرار فتح السوق السعودي أمام كافة فئات المستثمرين الأجانب. هذه الخطوة من شأنها ضخ سيولة أجنبية ضخمة وتعزيز كفاءة السوق.
- قوة نتائج القطاع المصرفي
بجانب البنك الأهلي، أظهرت بنوك أخرى مثل مصرف الإنماء والراجحي نتائج فاقت التوقعات. كما أن توجه البنوك نحو زيادة رؤوس أموالها عبر توزيع أسهم منحة، كما فعل مصرف الإنماء، يعزز من الملاءة المالية ويشجع المستثمرين على الاحتفاظ بالأسهم لفترات طويلة.
- دعم قطاع الطاقة
ساهم ارتفاع أسعار النفط في تقديم دعم إضافي لسهم أرامكو، الذي يمثل وزناً ثقيلاً في المؤشر. هذا التناغم بين قطاعي المصارف والطاقة يخلق أرضية صلبة لاستمرار الاتجاه الصاعد.
التوجه نحو رسملة البنوك وزيادة التوزيعات
يرى الخبراء الماليون أن هناك توجهاً عاماً داخل القطاع المصرفي السعودي نحو رفع رؤوس الأموال. الهدف من ذلك ليس فقط التوافق مع معايير البنك المركزي السعودي (ساما) وكفاية رأس المال، بل أيضاً لدعم التوسع في إصدار أدوات الدين. كما أن الارتفاع في التوزيعات النقدية يرسل رسالة طمأنينة بأن البنوك تمتلك فائضاً نقدياً قوياً وقدرة على مكافأة مساهميها رغم التحديات.
نظرة على المستقبل: هل يتجاوز المؤشر 11500 نقطة؟
تشير التحليلات الفنية إلى أن مؤشر “تاسي” يمتلك كافة المقومات لإنهاء الأسبوع فوق مستوى 11500 نقطة. وبحسب المحللين، فإن تجاوز متوسطات فنية معينة يعني الدخول في منطقة استقرار سعري جديدة. كما أن قائمة الشركات الرابحة بدأت تتوسع لتشمل قطاعات التجزئة والأغذية (مثل المراعي وإكسترا)، مما يدل على أن الانتعاش ليس محصوراً في قطاع واحد فقط، بل هو انتعاش شامل للاقتصاد الكلي.
في الختام
إن القفزة التي حققتها أرباح كبرى المصارف السعودية، وعلى رأسها البنك الذي نناقشه، هي شهادة حية على نجاح التحول الاقتصادي في المملكة. إن القدرة على تحقيق نمو بنسبة 18% في بيئة عالمية تتسم بالتقلب تعكس كفاءة الإدارة وقوة البنية التحتية المالية. ومع استمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية وتزايد الإنفاق على المشاريع العملاقة، يبدو أن عام 2026 سيكون عام الحصاد للقطاع المصرفي، مما يعزز من مكانة المملكة كمركز مالي إقليمي لا يمكن تجاهله. وسيبقى أداء هذه البنوك هو البوصلة التي توجه قرارات المستثمرين في المرحلة القادمة، وسط طموحات لا حدود لها برسم ملامح مستقبل اقتصادي واعد.





