كيف اختطف “كارفور” وإخوته صيام المسلمين في الغرب؟

Write a 800–1200 word SEO news article in Arabic.
Topic:
إذا كنت مقيما في أوروبا اليوم، فلن يمر يوم على الأغلب دون أن تتلقى رسالة أو عدة رسائل تسويقية تتحدث عن عروض وتخفيضات بمناسبة رمضان. عروض تبدأ بالمواد الغذائية التي تميز شهر الصيام وتشمل محلات بيع الزينة والفوانيس وأنظمة تحويل الأموال، وتتوسع نحو التطبيقات الرقمية لتنظيم الوقت خلال الصوم وتحديد مواعيد الصلاة وأوراد الذكر وتلاوة القرآن، وصولا إلى الإعلانات عن أسواق رمضانية خاصة ومعارض لبيع الطعام، فضلاً عن عروض المطاعم الخاصة بوجبات الفطور والسحور.
هذه الظاهرة تبدو في تصاعد كل عام، وليست حكرا على التجار المسلمين، بل صارت تقودها الشركات الكبرى في تجارة التجزئة والتكنولوجيا. فقد أصبحت شوارع المدن الأوروبية الكبرى، من حي باربيس في باريس إلى نويكولن في برلين ووايت تشابل في لندن، تشهد ازدهارا تجاريا في رمضان ينافس في كثافته الاقتصادية موسم عيد الميلاد، وربما ينافس أحيانا الحركة التجارية في بعض المدن في العالم الإسلامي، حيث اندمج “اقتصاد رمضان” الذي كان محصورا في السابق في نطاق منازل المهاجرين ومتاجر البقالة المحلية، في صلب الرأسمالية الأوروبية، مما يعيد تشكيل تجارة التجزئة الأوروبية، زمانيا ومكانيا.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
لكن هذا الاندماج لا يبدو مجرد نتيجة ثانوية للتغيرات الديموغرافية، التي شهدتها القارة الأوروبية خلال السنوات الأخيرة -من زيادة في أعداد المهاجرين المسلمين-، بل هو عملية منظمة لتراكم رأس المال تعتمد على ترسيخ الهوية الدينية والتعدد الثقافي كعوامل لزيادة القيمة الاقتصادية. وقد تطورت هذه العملية على ثلاث مراحل تاريخية، كان أولها ترسيخ الوجود الاجتماعي الإسلامي في أوروبا من الستينيات إلى التسعينيات، والذي أدى بدوره إلى خلق الكتلة الديموغرافية الحرجة اللازمة لتشكيل السوق. تلا ذلك التحولات التي صاحبت “الصحوة الإسلامية” التي رفعت الطلب على “اليقين الشرعي” بشأن الطعام، ما مهد الطريق أمام إرساء “الحلال” كعلامة تجارية موحدة وضرورية في نطاق الجاليات الإسلامية. وأخيرا، أتت المفارقة الهيكلية لتزامن تصاعد الإسلاموفوبيا مع زيادة الاحتفاء التجاري بشهر الصيام.
هذه المفارقة تعبر بوضوح عن توتر بين منطقين متنافسين ضمن الرأسمالية المعاصرة هما الرأسمالية المعولمة، والرأسمالية القومية. فالأولى تمثلها شركات التجزئة والتمويل متعددة الجنسيات، وتروج لتعددية ثقافية غير مسيسة، كما تنظر إلى المسلمين كشريحة سوقية مربحة. في المقابل، تُصوّر الثانية، وهي المتحالفة مع اليمين المتطرف والسياسات الحمائية، الوجود الإسلامي كتهديد للوضع الاقتصادي “الأصلي”. ويُشكّل التوتر بين هاتين القوتين الوضع “الهش” للمسلم الأوروبي، فهو مندمج في السوق ولكنه مستبعد من الحياة السياسية. المشكلة الحقيقية أن كلا العمليتين تجردان الفرد من إنسانيته، إحداهما تحوله إلى مجرد مستهلك لتوسيع السوق، والأخرى تحوله إلى رمز للتهديد. لذلك، فإن تاريخ رمضان في أوروبا واقتصاده السياسي يبدو فصلاً كاشفاً عن تاريخ أوسع يُبيّن كيف يُوظّف رأس المال التنوع الثقافي والسياسي في تعظيم أرباحه، وفي تقويض ذلك التنوع في الآن ذاته.
بين سيد قطب ورودنسون
لتحليل هذه الظاهرة، التي تحمل مفارقات كثيرة، نحتاج أولا العودة إلى العلاقة “النظرية” بين الإسلام والرأسمالية. والبداية من مؤشر بعيد ولكنه شديد الدلالة، فقد شاع في أوساط المفكرين والمنظرين أن أفكار سيد قطب لعبت الدور الأساسي في تشكيل ما سيعرف بعد رحيله بـ”الصحوة الإسلامية”، لكن الفيلسوف والمفكر المصري حسن حنفي يخالف هذه الرؤية من زاوية بعينها.
يرى حنفي في كتابه “الدين والثورة في مصر” أن الحركات الإسلامية التي ظهرت بعد قطب أساءت فهمه في العديد من الأمور، ولا سيما حول ما كان يعنيه بـ”الجاهلية” التي يرى أن قطب أراد من خلالها الإشارة إلى النظم الغربية الاقتصادية الرأسمالية والشيوعية، أو السياسية مثل القومية والوطنية، أو الاجتماعية مثل العلمانية، أو الفلسفية مثل الوضعية والمثالية والتجريدية. وهنا يشير حنفي إلى أن الصحوة الإسلامية -لا سيما السنية- أهملت مسألة مواجهة الرأسمالية، لدرجة أنها حين انخرطت في مواجهة الشيوعية فإنها فعلت ذلك أحيانا ضمن تحالفات مع الرأسمالية نفسها.
يحيلنا هذا الادعاء إلى أطروحة عالم الاجتماع الماركسي مكسيم رودنسون في كتابه “الإسلام والرأسمالية” الذي زعم خلاله أن الإسلام، كدين وعقيدة، لم يشكل أبدا عائقا جوهريا أمام نشوء أو تطور الرأسمالية في المجتمعات المسلمة. ويعتقد رودنسون أنه لا يوجد أي تعارض بنيوي بين روح الإسلام وروح الرأسمالية، مفسرا ذلك بأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم نفسه كان تاجرا، وأن الوحي القرآني شجع النشاط التجاري وكذلك السنة النبوية. وعلى عكس المسيحية المبكرة، التي كانت تنظر إلى الثروة بعين الريبة، اعتبر الإسلام التاجر الأمين عنصرا أساسيا في المجتمع.
كما انتقد رودنسون نظرية عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر القائلة بأن الأخلاق البروتستانتية هي الأصل الوحيد للرأسمالية، حيث أوضح أن العالم الإسلامي امتلك الهياكل القانونية اللازمة، كالوقف والشراكة، لتيسير المعاملات المالية المعقدة. لذا، ينظر رودنسون إلى الرأسمالية لا كقوة غريبة عن الإسلام، بل كنظام متوافق مع بعض تعاليمه. وهو يعزو تخلف العالم الإسلامي لا إلى التعارض بين الإسلام نفسه والرأسمالية، بل إلى أنماط الإنتاج ما قبل الحديثة والتاريخ الاستعماري. ومن هذا المنطلق، يعد صعود الرأسمالية الحديثة في المجتمعات الإسلامية -من وجهة نظر رودنسون- تطورا طبيعيا، وإن كان متأخرا.
لكن على النقيض من ذلك، يعبر سيد قطب، خاصة في كتابيه “العدالة الاجتماعية في الإسلام” و”معالم في الطريق” عن رفض قاطع للأنظمة الاقتصادية الغربية، وهو لا يحلل الرأسمالية كنموذج اقتصادي محض، بل كرؤية للوجود تنافس الإسلام على ولاء البشرية، وتركز على المادة والإنتاج على حساب الروح. ويرفض قطب كلا من الرأسمالية والشيوعية، ويطرح الإسلام باعتباره “الطريق الثالث الوحيد القابل للتطبيق”، مجادلا بأن الرأسمالية فردية لدرجة الأنانية، بينما الشيوعية جماعية لدرجة الاستبداد، أما الإسلام، فيرى أنه “يوازن بين حقوق الفرد ومصلحة المجتمع”.
تكشف المقارنة بين مكسيم رودنسون وسيد قطب عن نموذجين متميزين لفهم تفاعل الإسلام مع الحداثة، لكن الأهم أنها تشير إلى أن “الصحوة الإسلامية”، التي ستهاجر إلى أوروبا في سنوات لاحقة، كانت أقرب لأفكار رودنسون، منها لأفكار قطب فيما يخص موقفها من الرأسمالية. ونظرا لأن تلك الصحوة في معظمها لم تكن ترى صداما حقيقيا بين الإسلام والرأسمالية الغربية، فإن إسهاماتها الفكرية وممارساتها العملية لم تحل دون “التغول الرأسمالي” الذي تسلل إلى حياة المسلمين في الغرب، وحتى إلى ممارساتهم الدينية.

رأسمالية “الحلال”
لا تبدأ قصة اندماج رمضان في الرأسمالية الأوروبية بالاستهلاك، بل بالإنتاج. ويعد وجود الإسلام في أوروبا الغربية إلى حد كبير إرثا للنهضة الاقتصادية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، حيث فاق الطلب على العمالة الصناعية، خلال الحقبة التي عرفت بـ”الثلاثين المجيدة” (1945-1975)، المخاوف الثقافية وتوترات ما بعد الاستعمار، ما أدى إلى تدفق موجات من المهاجرين المسلمين إلى القارة العجوز.
خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، جلبت برامج “العمالة الوافدة” ملايين المسلمين من تركيا وشمال أفريقيا وجنوب آسيا إلى ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة. في تلك الفترة، كان “اقتصاد رمضان” شبه غائب في القطاع الرسمي، إذ كانت الرأسمالية الأوروبية تنظر إلى هؤلاء الأفراد في المقام الأول كوحدات قوة عاملة لا كمستهلكين ذوي احتياجات ثقافية مميزة. فضلا عن وضعهم الطبقي المتدني بسبب ضعف دخلهم، ووضعهم الاجتماعي المعزول، حيث كانت أغلب العمالة عبارة عن أفراد وليسوا عائلات.
كان شهر رمضان في تلك الحقبة شأنا خاصا، يمارس داخل مساكن العمال. وكثيرا ما كان الصيام مصدرا للخلاف مع الإدارات الصناعية، التي كانت تنظر إلى تغيير مواعيد تناول الطعام وانخفاض الإنتاجية على أنه إزعاج ومعوق، وليس حدثا ثقافيا يجب مراعاته. واقتصر الأثر الاقتصادي للمهاجرين المسلمين وقتها على “الاقتصادات العرقية”، أي متاجر البقالة الصغيرة التي تديرها عائلات، تستورد التمور واللحوم الحلال عبر شبكات غير رسمية. وظلت هذه الممارسة مجرد “اقتصادات استيراد” هامشية، تربط استهلاك المغتربين مباشرة بالوطن الأم، متجاوزة سلاسل التوريد الأوروبية.
لكن التحولات التي جرت بداية من نهاية السبعينيات جعلت رمضان أكثر ظهورا. فقد أدى التحول من الهجرة المؤقتة إلى الاستقرار الدائم في ثمانينيات القرن الماضي، في أعقاب سياسات لم شمل الأسر، إلى تغيير جذري في الحسابات الاقتصادية. وقتها، تلاشت “أسطورة العودة”، وبدأ المسلمون الأوروبيون في إنشاء مؤسسات دائمة. وشهدت هذه الفترة ظهور “الجزار الحلال” كمعلم بارز في المشهد الحضري. وقد تزامن ذلك مع بداية استقرار الصحوة الإسلامية في صفوف الجاليات، وهو ما حدث أساسا كنتيجة للضغوط الأمنية في الدول العربية، حيث دفع المئات من قادة وأعضاء الجماعات الإسلامية في تونس والمغرب والجزائر ومصر إلى البحث عن مساحات أكثر أمنا وحرية.
خلال ثمانينيات القرن الماضي، بدأ شهر رمضان يرسخ نمطا زمنيا مميزا في أحياء أوروبية معينة، وازداد الطلب على سلع محددة لها علاقة بأنماط الاستهلاك العربية والإسلامية في شهر الصيام، مما دفع الموزعين الرئيسيين – وأغلبهم من المسلمين – إلى تعديلات زمنية في نمط التجارة. مع ذلك، ظل السوق شديد التجزئة، مقسما، ويفتقر إلى التنظيم.

في غضون ذلك، وفي فرنسا تحديدا، بدأت سلاسل متاجر مثل فرانبري (Franprix) وكازينو (Casino) في الضواحي بتوفير بعض السلع ذات الخصوصية الرمضانية، لكن ذلك ظل استراتيجيات محلية وليست سياسة ذات بعد وطني أو أوروبي. وبحلول تسعينيات القرن الماضي، أدركت شركات التسويق أن “السوق العرقية” قطاع متخصص يملك مستقبلا ربحيا واعدا. وكان تقرير صادر عام 1995 عن المعهد الفرنسي للرأي العام، من أوائل الأدبيات الاقتصادية، التي حددت حجم السوق الإسلامية، مما أشار إلى أن ذلك “الصيام غير المرئي” في الستينيات قد تحول إلى قوة اقتصادية ملموسة. وقد مهد هذا العقد الطريق أمام النمو الهائل الذي شهده سوق المنتجات الحلال لاحقا، ناقلا المركز الاقتصادي لشهر رمضان من قطاع الاستيراد غير الرسمي إلى أرفف المتاجر الكبرى الأوروبية.
كان التطور المحوري الذي سمح بدمج شهر رمضان في رأس المال الأوروبي هو توحيد معايير “الحلال”. ففي الماضي، كان “الحلال” مسألة ثقة بين الجزار المحلي والمستهلك، ولكن بحلول العقد الأول من الألفية الثانية، فإنه أصبح علامة تجارية تخضع لإشراف هيئات إصدار الشهادات، والسبب الرئيسي في ذلك هو تغير آلية إنتاج اللحوم في أوروبا بشكل واضح بحيث أصبحت معظم المنتجات المطروحة في الأسواق غير متوافقة مع قواعد “الذبح الشرعي” لدى المسلمين.
لقد بدأ هذا التحول بداية من السبعينيات، مع اعتماد الغرب أساليب صناعية يعتمد فيها التخدير والصعق لإنتاج اللحوم، تماشيا مع التشريعات الأوروبية حول حقوق الحيوانات، إلا أن الاستثناءات الدينية ظلت تسمح بممارسة “الذبح الشعائري” دون تخدير مسبق لتلبية متطلبات “الحلال” بالنسبة للمسلمين والكشروت لليهود. وفي فرنسا مثلا، تم تعزيز هذا الاستثناء من قبل المجلس الدستوري -الذي يراقب القوانين- في عام 2012.
وعندما طعنت جماعات الرفق بالحيوان في دستورية الاستثناء، حكم المجلس بأن السلطة التشريعية يحق لها الموازنة بين حماية الحيوانات وحرية الدين والمعتقد، مؤيدا شرعية الذبح غير المصعوق للجماعات الدينية المختلفة. وقد استفادت “صناعة الحلال” من هذا الاستثناء التشريعي، واتسع نطاق منح شهادات “الحلال” لكل من يطلبها ويلتزم بها، بدلا من أن تكون حكرا على الجزارين المسلمين.
ارتبط هذا التحول الجذري الذي جرى خلال عقد التسعينيات كذلك بظاهرة الصحوة الإسلامية. يرى باحثون مثل أوليفييه روي وباتريك هايني، أن الصحوة الإسلامية في أوروبا اتسمت بالتحول من “الثقافة الموروثة” إلى “الممارسة الدينية الطوعية”. فبالنسبة للجيلين الثاني والثالث من المسلمين الأوروبيين، لم تعد الهوية الدينية أمرا مفروغا منه بالوراثة، بل أصبحت خيارا يمارس. وتتطلب هذه الممارسة عناصر أساسية، مثل الطعام الحلال، والأزياء المحتشمة، وغيرها. وقد استجابت الرأسمالية الأوروبية لهذا الانتعاش بإنشاء ما يسميه عالم السياسة الفرنسي جيل كيبل “وادي الحلال”. حيث أدركت صناعة الأغذية القيمة الاستهلاكية لرمضان بشكل يوازي قيمة عيد الميلاد في أهميته الاقتصادية.
ما حدث إذن هو أن الصحوة رفعت الحساسية الدينية والطلب الاستهلاكي على منتجات بعينها، ثم التقطه السوق عبر أنظمة الشهادات والمعايير فتحول “الحلال” إلى علامة تجارية قابلة للبيع والشراء. وقد دفع هامش الربح الأوسع في منتجات “الحلال” التي توسعت مع الزمن لتشمل سلعا أخرى، الشركات إلى توسيع نشاطها في هذا القطاع. حيث سعت شركات عالمية عملاقة مثل نستله (Nestle) إلى الهيمنة على القطاع، وأنشأت لجنة للحلال في ثمانينيات القرن الماضي، وتوسعت بشكل هائل في العقد الأول من الألفية الثانية، وكذلك الحال بالنسبة لكارفور (Carrefour).
وقد حلت هذه الصناعة المرتبطة بـ”الشهادات الدينية” مشكلة بالنسبة لتجار التجزئة، إذ سمحت بعرض المنتجات الحلال على رفوف المتاجر الكبرى إلى جانب المنتجات غير الحلال، مما ألغى الحاجة إلى متاجر المنتجات “العرقية”. وبالتالي خلقت الصحوة الإسلامية من الخلاف الفقهي والتحريم الديني ميزة تنافسية ربحية، شكلت المحرك الرئيسي للطلب، بينما وفرت صناعة شهادات الحلال قنوات للرأسمالية لتوزيع هذه المنتجات.

كارفور وإخوته.. الاقتصاد السياسي لرمضان
يتجاوز دمج رمضان في الرأسمالية الأوروبية اليوم مجرد مبيعات المواد الغذائية، فهو يشمل طيفا واسعا من القطاعات بما في ذلك الضيافة والخدمات الرقمية، ويتجلى هذا الاندماج كأوضح ما يكون في قطاع التجزئة. ففي المملكة المتحدة، تُطلق متاجر كبرى مثل تيسكو (Tesco) وسينسبري (Sainsbury’s) أقساما سنوية مخصصة لرمضان، يشارك فيها موظفون وعملاء مسلمون، أما في فرنسا، فتتنافس كارفور وإي لوكلير بشدة على أسعار المواد الغذائية الأساسية في الشهر الكريم.
يُعد هذا النشاط في قطاع التجزئة طقسا بالغ الأهمية. يبدأ الموسم قبل دخول شهر الصيام بأيام، من خلال ظهور حملات تسويقية مكثفة تُشبه حملات «الجمعة السوداء» أو عيد الميلاد. ويستخدم تجار التجزئة أساليب تسويقية متوافقة مع «القيم الإسلامية»، تُركّز على الأسرة والروحانية. وقدّرت دراسة أجراها معهد مونتين في فرنسا أن سوق المنتجات الحلال الذي يتضاعف بشكل ملحوظ في رمضان، يُدرّ أكثر من 5.7 مليار يورو (نحو 6.2 مليار دولارِ) سنوياً في فرنسا وحدها. وقد بلغ حجم السوق في عام 2025 ما بين 7 مليارات يورو (نحو 7.6 مليار دولارِ) و12 مليار يورو (نحو 13 مليار دولارِ)، مقارنة بـ 5.5 مليار يورو (نحو 5.9 مليار دولارِ) في عام 2010، بزيادة تُقدر بنحو 27% خلال خمسة عشر عاما.
وبهذا النمو، تحتل فرنسا المرتبة الثانية عالميا في أسواق المنتجات الحلال، بعد ماليزيا. أما على المستوى الأوروبي، فقد وصل حجم سوق الأغذية والمشروبات الحلال في القارة إلى حوالي 93 مليار دولارِ في عام 2025، ومن المتوقع أن ينمو بمعدل نمو سنوي مركب قدره 7.80% ليصل إلى 134 مليار دولارِ في عام 2030، وذلك بسبب التحولات الديموغرافية، حيث سيرتفع عدد المسلمين في أوروبا، بحلول عام 2030، بنسبة 8% مقارنة بعام 2010.
أما القطاع الثاني الذي يتأثر بهذه الديناميكية فهو الضيافة، حيث يُغيّر رمضان بشكل جذري إيقاع الحياة في المدن الأوروبية. إذ يتحوّل «الاقتصاد الليلي» من التمحور حول المشروبات الكحولية إلى تجمعات اجتماعية تتمحور حول الطعام. وتُمدّد المطاعم في كثير من المدن الكبرى ساعات عملها لتقديم وجبات الإفطار. وفي لندن، حوّلت ظاهرة «خيام رمضان» الإفطار إلى حدث تجاري ممتد طوال الشهر.
كذلك أصبح دمج رمضان في الرأسمالية الأوروبية اليوم خاضعاً لتأثير التكنولوجيا. حيث تشهد تطبيقات توصيل الطعام، مثل ديليفيرو (Deliveroo) وأوبر إيتس (Uber Eats)، إقبالاً متزايداً خلال ساعات الإفطار. علاوة على ذلك، تستغل التطبيقات التي تركز على المسلمين، مثل مسلم برو وحلال تريب، تلك التجربة الروحية لتحقيق الربح من خلال الإعلانات والميزات المدفوعة. وخلال الشهر، تصبح هذه التطبيقات أدوات أساسية لتحديد أوقات الصلاة والصيام، وتُستخدم كمنصات للإعلانات الموجهة، ما يُمثل مزيجاً مثالياً بين التقوى والربح.
لكن هذا الاندماج المتزايد لرمضان في الأسواق الأوروبية يتناقض تماما مع تصاعد رهاب الإسلام والعنصرية بشكل واضح في القارة خلال السنوات الأخيرة. يكشف تقرير “الإسلاموفوبيا في أوروبا لعام 2024” الصادر عن “التجمع المناهض للإسلاموفوبيا في أوروبا” (CCIE)، عن تصاعد مقلق في التمييز والعنف ضد المسلمين، بشكل هيكلي. فقد سجل التجمع 1037 بلاغا عن وقائع عنصرية موثقة ضد المسلمين خلال عام 2024، بزيادة قدرها 25% مقارنة بعام 2023.
ولفهم هذه المفارقة، يجب علينا التمييز بين اتجاهين متعارضين ضمن الهيكل الاقتصادي الحالي للرأسمالية الأوروبية. فمن جهة الرأسمالية المعولمة، التي تتجسد في الشركات متعددة الجنسيات والتمويل العالمي وقطاع التكنولوجيا، والتي تعمل عبر الحدود ولها مصلحة راسخة في التعددية الثقافية، يعد التنوع موردا أساسيا، فهو يخلق قطاعات سوقية جديدة، ويخفض تكاليف العمالة، ويسهل سلاسل التوريد العالمية. ويمثل “المستهلك المسلم” نموذجا مرغوبا فيه لهذا الجناح من الرأسمالية.
في المقابل، هناك الرأسمالية القومية التي تتجسد في الشركات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بالاقتصاد الوطني، والجهات السياسية التي تستغل القلق الاقتصادي. وهذه الجهات تشتبك في تحالف موضوعي مع اليمين المتطرف لحماية “الهوية الوطنية” و”السيادة الاقتصادية”. وبالنسبة لها، يمثل المسلم تهديدا ومنافسا على موارد الرعاية الاجتماعية ومزعزعا للتجانس الثقافي. ويعزز هذا المنطق سياسات الإقصاء، مما يؤدي إلى شيوع العنصرية.
يظهر هذا التوتر بوضوح في الحملات التي يشنها اليمين المتطرف ضد مظاهر الاستهلاك “الحلال”، ذلك أن صعود هذا اليمين، مثل التجمع الوطني في فرنسا، وحزب البديل في ألمانيا، وحزب الحرية في هولندا، يغذيه أساسا منطق الصراع الثقافي، ولكنه أيضا يتغذى على المظالم الاقتصادية التي خلقتها العولمة. فعندما تسوق متاجر التجزئة مثل ليدل أو نستله منتجات “الحلال”، فإنها تتعرض لهجوم من الحركات القومية ليس فقط لأسباب ثقافية، بل لأسباب اقتصادية أيضا. فالخطاب القومي المتطرف يصور توفر المنتجات الحلال على أنه تنازل عن التقاليد الغذائية “الأصيلة” وخضوع لرأس المال “الأجنبي”. وتعد قضية توفير وجبات حلال في المدارس التي أثارت جدلا في فرنسا منذ عام 2017، أو النقاشات الدائرة حول الذبح الحلال، أمثلة على استغلال الرأسمالية القومية للقلق الثقافي كسلاح لمقاومة زحف قوى السوق العالمية والتعبير عن مصالح جناح رأسمالي يتبنى سياسات “حمائية”.
هكذا تظهر المفارقة، المتمثلة في صراع بنيوي بين أجنحة الرأسمالية، فالسوق العالمية بحاجة إلى المستهلك المسلم للتوسع، بينما يحتاج المنطق القومي إلى “الآخر” المسلم لتحديد حدود الدولة القومية في مواجهة هذه العولمة نفسها. كذلك أصبحت الحدود موقعا لتراكم رأس المال بكثافة، حيث يستثمر الرأسمال القومي بكثافة في “أمن الحدود”، من خلال تشديد الدخول ومراكز الاحتجاز، وتقنيات المراقبة، وهذا يتطلب وجود عدو دائم. ويبرر “التهديد الإسلامي” الإنفاق العام الهائل على الأمن والدفاع، مما يعود بالنفع على قطاع واسع من الشركات والمؤسسات.
وضمن هذا التوتر بين جناحي الرأسمالية الأوروبية تظهر ثنائية المسلم “الصالح” مقابل المسلم “السيئ”. فالرأسمالية المعولمة هي التي تخلق عدم المساواة، لكن الرأسمالية القومية تلقي باللوم في عدم المساواة على وجود المسلمين الذين يستخدمون “كبش فداء” بدلا من هياكل السوق. وهذا الوضع يخلق تمييزا بين “المسلم المستهلك” و”المسلم السياسي”. يرحب بالمسلم المستهلك، بوصفه مسلما صالحا خلال رمضان، ويصور في حملات الشركات، مبتسما ومندمجا ومنفقا. في المقابل يرفض المسلم المسيس بوصفه مسلما سيئا، حيث ينتقد أحيانا السياسة الخارجية، أو يشارك في تنظيم العمل النقابي.
ومن خلال توجيه التعبير الديني نحو الاستهلاك، توفر الرأسمالية مسارا “آمنا” للهوية، لكنها تجرد المسلمين الأوروبيين من بعدهم السياسي. لذلك قد تمنع امرأة مسلمة من دخول مكان عام بسبب ارتداء الحجاب، لكنها ستكون دائما محل ترحيب في السوبر ماركت لشراء ما تحتاجه للإفطار. وهنا يبدو السوق وكأنه يستبدل المواطنة الحقيقية، لصالح شكل من أشكال “مواطنة المستهلك”.
ولتوضيح هذه الفروقات النظرية، يمكننا المقارنة بين فرنسا والمملكة المتحدة. تجسد فرنسا مفارقة صارخة، فهي تملك أشد القوانين صرامة فيما يتعلق بالتعبير الديني، وتشهد في الوقت نفسه تصاعدا في النزعة اليمينية المتطرفة، لاسيما الموجهة ضد المسلمين. ومع ذلك، فهي موطن لأكبر سوق للمنتجات الحلال في أوروبا. في المقابل يعد الاندماج أكثر سلاسة في المملكة المتحدة، لأن “التعددية الثقافية” سياسة رسمية للدولة.
على نحو أعمق، يكشف هذا التوتر أيضا عن الطبيعة المتصدعة للرأسمالية. فالاحتفاء المتزامن بالمستهلك المسلم من قبل الرأسمالية المعولمة، وتشويه صورته من قبل الرأسمالية القومية، يظهر انقساما بنيويا، لا يشكل فيه المسلم سوى عرضا هامشيا لتوتر أعمق بين جناحي الرأسمالية اليوم، والذي يبدو أنه مقدر له أن يتطور، وربما ينتج لنا حروبا وأزمات وتحديات جيوسياسية أوسع من مجرد تسليع رمضان أو الاستثمار في الصراعات الثقافية.
ومع ذلك يؤكد اندماج رمضان في الرأسمالية الأوروبية رؤية مكسيم رودنسون بأن الإسلام يمكن أن يعمل بسلاسة ضمن منطق السوق. فيما يبرر استمرار العنصرية والوصم الهيكلي، في جانب ما، هواجس سيد قطب حول أن الاندماج الرأسمالي غالبا ما يأتي على حساب النقاء الروحي والموقف السياسي، مما يترك المسلم عالقا بين سوق يطوع هويته من أجل الربح وصراع ثقافي يستثمر في وجوده لتغذية الشعبوية والخوف.
Output: HTML only (no Markdown/backticks). Use
,
,
. No title. Return only the article body HTML.
Style/structure:
– Inverted pyramid: Who/What/When/Where in first two paragraphs; then Why/How and implications.
– Intro 50–80 words and must include the main keyword.
– Use
section headings (at least one includes the main keyword);
for sub-points if needed.
– Short 2–4 sentence paragraphs with natural transitions (However, Additionally, Meanwhile, In contrast…).
– Tone: clear, neutral, AP-style, active voice; no hype/filler.
– Short 2–4 sentence paragraphs with natural transitions (However, Additionally, Meanwhile, In contrast…).
– Tone: clear, neutral, AP-style, active voice; no hype/filler.
SEO:
– Pick ONE main keyword; use it in the first paragraph, in one
, and 4–6 times total (~1%).
– Add 2–3 related secondary keywords naturally.
Originality/accuracy:
– Synthesize and add neutral background; do not mirror source phrasing.
– Attribute claims (“according to…”, “the ministry said…”). No invented quotes/data.
– If uncertain, hedge (“the report indicates…”) rather than guessing.
Conclusion:
– Brief forward-looking wrap that states the next expected step, deadline, or decision; note uncertainties and what to watch. Factual and neutral; no promotional calls to action.
Constraints:
– No lists unless they add clear value.
– No inline styles or tags beyond
,
,
, .
– Must be plagiarism-free and WordPress-ready.
– Article MUST be in Arabic.
– Must be plagiarism-free and WordPress-ready.
– Article MUST be in Arabic.





