كيف تستفيد آبل وغوغل من صفقة القرن الجديدة في الذكاء الاصطناعي؟

شهدت الأيام الماضية تحالفًا استراتيجيًا بين شركتي التكنولوجيا العملاقتين، جوجل وآبل، من شأنه أن يعيد تشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي. أعلنت آبل أنها ستعتمد على نموذج الذكاء الاصطناعي “جيميناي” (Gemini) من جوجل لتشغيل ميزات “سيري” (Siri) الجديدة، متخليةً بذلك عن تطوير نماذجها الخاصة. وقد أثار هذا الإعلان، الذي أكدته تقارير وكالة بلومبيرغ في نوفمبر الماضي، جدلاً واسعًا في القطاع التقني وساهم في ارتفاع قيمة “ألفابيت” (Alphabet)، الشركة الأم لجوجل، إلى أكثر من 4 تريليون دولار.
يأتي هذا التعاون في وقت تشهد فيه شركات التكنولوجيا سباقًا محمومًا لتطوير ونشر تقنيات الذكاء الاصطناعي. آبل، على الرغم من مواردها الهائلة، واجهت تحديات في اللحاق بالركب في هذا المجال، بينما تملك جوجل أحد أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تطوراً في العالم، وهو “جيميناي”.
آبل تكسب رغم خسارتها في سباق الذكاء الاصطناعي
قد يبدو قرار آبل بالاعتماد على نموذج خارجي بمثابة اعتراف بالفشل في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها. ومع ذلك، يرى محللون أن هذا التحول يمثل فرصة استراتيجية للشركة. فبدلاً من استثمار المزيد من الموارد في تطوير نماذج قد لا تكون قادرة على منافسة “جيميناي”، يمكن لآبل التركيز على نقاط قوتها الأساسية، وهي تصميم الأجهزة وتجربة المستخدم.
تشير التقارير إلى أن آبل باعت أكثر من 247 مليون هاتف خلال العام الماضي، بزيادة قدرها 6% مقارنة بالعام السابق. كما حققت مبيعات قوية في قطاعات الحواسيب المحمولة واللوحية والمكتبية. هذا النجاح في المبيعات يمنح آبل قاعدة مستخدمين ضخمة يمكنها الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة التي يوفرها “جيميناي”.
وبحسب صحيفة فاينانشيال تايمز، فإن نموذج “جيميناي” هو الذي سيستفيد بشكل كبير من هذا التعاون، حيث سيحصل على انتشار أوسع بكثير من خلال دمجه في أجهزة آبل. هذا التعاون يعزز مكانة جوجل كشركة رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي.
الخلفية القانونية والاعتبارات الاستراتيجية
يأتي هذا الإعلان أيضًا في ظل التدقيق التنظيمي المتزايد لشركات التكنولوجيا الكبرى، وخاصة فيما يتعلق بممارسات الاحتكار. فقد واجهت جوجل دعاوى قضائية تتهمها باستغلال هيمنتها في سوق محركات البحث. قد يكون هذا التعاون مع آبل وسيلة لجوجل لتجنب المزيد من التدقيق التنظيمي.
في السابق، كانت آبل تعتمد على “شات جي بي تي” (ChatGPT) بشكل غير مباشر، ولكنها الآن تختار نموذج “جيميناي” كشريك رئيسي. لا تزال التفاصيل المتعلقة بكيفية دمج “جيميناي” في “سيري” غير واضحة، ولكن من المتوقع أن يوفر هذا التعاون تجربة مستخدم أكثر ذكاءً وسلاسة.
غوغل تعيد الماضي وتستفيد من الشراكة
يعيد هذا التعاون إلى الأذهان الشراكة الأولى بين جوجل وآبل في عام 2002، عندما أصبح محرك بحث جوجل هو المحرك الافتراضي في أجهزة آبل. وقد ساهمت هذه الشراكة في نمو جوجل بشكل كبير، حيث ارتفعت مدفوعات جوجل إلى آبل إلى أكثر من 20 مليار دولار في عام 2022. الآن، تتطلع جوجل إلى تكرار هذا النجاح من خلال دمج “جيميناي” في أجهزة آبل.
يؤكد المحللون أن هذه الشراكة تمنح جوجل فرصة لتعزيز مكانتها في سوق الذكاء الاصطناعي، حيث سيتمكن المزيد من المستخدمين من تجربة نموذج “جيميناي” المتقدم. كما أن هذا التعاون قد يساعد جوجل في تجنب المزيد من المشاكل القانونية المتعلقة بممارسات الاحتكار.
ماذا عن المستخدم؟
تؤكد كل من آبل وجوجل أن هذا التعاون سيتم بطريقة تحافظ على خصوصية المستخدمين. ومع ذلك، لا تزال هناك أسئلة حول كيفية عمل هذا التكامل عمليًا، وما إذا كان المستخدمون سيتمكنون من التحكم في كيفية استخدام بياناتهم. لم تكشف آبل بعد عن تفاصيل حول كيفية دمج “جيميناي” في خدماتها الأخرى، مثل تطبيقات الكتابة وتوليد الصور.
من المتوقع أن تبدأ آبل في طرح ميزات “سيري” الجديدة التي تعمل بنموذج “جيميناي” في الأشهر المقبلة. سيكون من المهم مراقبة ردود فعل المستخدمين وتقييم مدى فعالية هذا التعاون في تحسين تجربة المستخدم. الخطوة التالية ستكون تحديد ما إذا كانت آبل ستوسع هذا التعاون ليشمل خدماتها الأخرى، وكيف ستتعامل مع المخاوف المتعلقة بالخصوصية والأمن.
بشكل عام، يمثل هذا التحالف بين جوجل وآبل نقطة تحول مهمة في سوق الذكاء الاصطناعي. سيكون من المثير للاهتمام رؤية كيف ستتطور هذه الشراكة في المستقبل، وما إذا كانت ستؤدي إلى المزيد من الابتكارات في هذا المجال. التركيز الآن سينصب على كيفية تنفيذ هذا التعاون، ومدى تأثيره على المستخدمين النهائيين.





