لماذا تتصادم السنغال مع صندوق النقد الدولي؟

تواجه السنغال حاليًا مفاوضات صعبة مع صندوق النقد الدولي للحصول على حزمة إنقاذ عاجلة، وذلك بسبب فجوة مالية عامة كبيرة. ويشترط الصندوق إجراء إصلاحات هيكلية مؤلمة قبل الموافقة على تقديم الدعم، وهو ما ترفضه الحكومة السنغالية حتى الآن، خاصة بعد أن خفضت وكالة ستاندرد آند بورز تصنيفها الائتماني إلى مستوى “سندات رديئة”.
وتأتي هذه المحادثات في وقت حرج بالنسبة للسنغال، حيث تسعى البلاد لتجنب أزمة اقتصادية أعمق. فقد علّق صندوق النقد الدولي العام الماضي حزمة تمويل بقيمة 1.8 مليار دولار بعد اكتشاف اقتراض مخفي بقيمة 7 مليارات دولار من قبل الإدارة السابقة.
الوضع المالي للسنغال والديون العامة
أظهرت مراجعة حديثة لوكالة ستاندرد آند بورز أن الدين العام للسنغال بلغ 42.1 مليار دولار بنهاية عام 2024، وهو ما يمثل 119% من الناتج المحلي الإجمالي. وهذا يجعل السنغال من بين الدول الأكثر مديونية في أفريقيا.
إضافة إلى ذلك، تشير الوكالة إلى أن ديون الشركات الحكومية تضيف حوالي 9% أخرى إلى حجم الدين الإجمالي. وعلى الرغم من الجهود المبذولة لتعزيز النمو وجمع الضرائب، إلا أن مستوى الدين وارتفاع تكلفة الفوائد يضعان المالية العامة في وضع هش.
تاريخ الاقتراض وتأثيره
منذ عام 2008، اعتمدت السنغال بشكل كبير على الاقتراض لتمويل مشاريع البنية التحتية. ومع ذلك، أدت أزمة كوفيد-19 وارتفاع أسعار الفائدة العالمية إلى تفاقم الضغوط المالية على البلاد، مما أدى إلى زيادة تكلفة خدمة الدين وانخفاض الإيرادات.
تهدف الحكومة الحالية إلى خفض العجز المالي من 12.6% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024 إلى 5.4% في العام المقبل، ثم إلى 3% بحلول عام 2027. لكن وكالة ستاندرد آند بورز تتوقع عجزا أكبر، حيث تقدره بـ 8.1% في عام 2025 و6.8% في عام 2027، مع ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 123% في العام المقبل.
خلاف حول شروط صندوق النقد الدولي
يركز الخلاف الحالي بين السنغال وصندوق النقد الدولي على شروط حزمة الإنقاذ الجديدة. يصر الصندوق على ضرورة إجراء “إعادة هيكلة” للديون، والتي تتضمن استبدال الديون الحالية بأخرى جديدة ذات شروط أكثر ملاءمة.
لكن الحكومة السنغالية، بقيادة رئيس الوزراء عثمان سونكو، ترفض هذا الشرط، معتبرة أنه سيؤدي إلى تقليص الإنفاق العام وإبطاء النمو الاقتصادي. ويرى سونكو أن تعبئة الإيرادات الداخلية هي الحل الأفضل، وليس إعادة هيكلة الديون.
وقد أثار هذا الموقف قلق المستثمرين، مما أدى إلى انخفاض قيمة سندات السنغال وارتفاع تكلفة التأمين ضد التعثر. ويعكس هذا الرفض التزام الحكومة باستعادة السيادة الوطنية في إدارة شؤونها المالية.
الإجراءات الحكومية والآفاق المستقبلية
في محاولة لمعالجة الوضع المالي، اتخذت الحكومة السنغالية عددًا من الإجراءات في الأسابيع الأخيرة، بما في ذلك فرض ضرائب جديدة على التبغ والكحول والمقامرة والتحويلات المالية عبر الهاتف المحمول. كما قامت بتقليص الإنفاق على السفر والمشتريات الحكومية.
ومع ذلك، يظل التحدي كبيرًا، حيث تسعى الحكومة إلى تحقيق التوازن بين الإصلاحات المالية الضرورية وتلبية توقعات المواطنين. وقد يؤدي أي تنازل إضافي لصندوق النقد الدولي إلى خيبة أمل شعبية وربما اضطرابات اجتماعية.
من المتوقع أن تستمر المفاوضات بين السنغال وصندوق النقد الدولي في الأسابيع القادمة. وسيكون من المهم مراقبة تطورات هذه المفاوضات، بالإضافة إلى أداء الاقتصاد السنغالي وتأثير الإجراءات الحكومية على المالية العامة. يبقى مستقبل حزمة الإنقاذ غير مؤكدًا، ويتوقف على قدرة الطرفين على التوصل إلى اتفاق مقبول.





