ماكرون غاضب بسبب كتاب فرنسي تحدث عن طوفان الأقصى.. ما القصة؟

لم يكن سحب دار النشر الفرنسية العريقة “هاشيت” (Hachette) لكتيبات الدعم المدرسي مجرد إجراء تقني لتصحيح خطأ مطبعي، بل جاء كذروة لصدام سياسي وثقافي وصل إلى أروقة قصر الإليزيه. وتتعلق الأزمة بتصنيف ضحايا عملية طوفان الأقصى، مما أثار جدلاً واسعاً حول الكتب المدرسية والسلطة السياسية وتأثيرها على المحتوى التعليمي.
بدأت القصة عندما لفتت “الرابطة الدولية لمكافحة العنصرية ومعاداة السامية” (Licra) الانتباه إلى فقرة في كتاب “أوبجكتيف باك” (Objectif Bac) المخصص لطلاب الثانوية العامة، تصف القتلى الإسرائيليين في الهجوم بـ “المستوطنين اليهود”. وقد أدى هذا الوصف إلى ردود فعل غاضبة، وتصاعدت التوترات السياسية في فرنسا.
“مواطنون” أم “مستوطنون”؟ جدل حول الكتب المدرسية
أثار استخدام مصطلح “المستوطنين اليهود” جدلاً حاداً، حيث يعتبره البعض تقليلاً من شأن الضحايا الإسرائيليين وتجاهلاً لحقوقهم. ويرى آخرون أنه مصطلح سياسي له سياقه الخاص، ولا ينبغي اعتباره إساءة في حد ذاته. ومع ذلك، اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن هذا الوصف يمثل “تزويراً للحقائق” و”إعادة نظر مشوهة للتاريخ”.
وقد أدى هذا الموقف الرئاسي إلى ضغوط على دار “هاشيت” لتقديم اعتذار وتصحيح الخطأ. واستجابت الدار لسحب الكتب من الأسواق، وقدم رئيسها التنفيذي، أرنو لاغاردير، اعتذاراً شخصياً نادراً، واصفاً ما حدث بـ “الخطأ الجسيم”.
تحولات الهوية الثقافية وتأثيرها على المنهج الدراسي
لا يمكن النظر إلى هذه الأزمة بمعزل عن التغيرات الهيكلية التي تشهدها دار “هاشيت” منذ استحواذ الملياردير المحافظ “فنسان بولوريه” عليها في نهاية عام 2023. وتعيش الدار تحت رقابة النخبة الثقافية الفرنسية التي تخشى من تحولها إلى أداة لترويج أجندات اليمين المتشدد.
بالإضافة إلى ذلك، يعكس الجدل تحولات أوسع في الهوية الثقافية الفرنسية، وتصاعد التوترات السياسية المتعلقة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وتشير بعض الآراء إلى أن هذه القضية تكشف عن صعوبة في التعامل مع السرديات التاريخية المتناقضة، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا حساسة مثل هذه.
السردية الناقصة: غياب تمثيل الضحايا الفلسطينيين
بينما تصاعدت ردود الفعل الغاضبة في فرنسا حول وصف الضحايا الإسرائيليين بـ “المستوطنين”، لوحظ غياب ملحوظ لأي إشارة إلى ضحايا الجانب الفلسطيني، الذين تجاوز عددهم 70 ألف قتيل وفقاً للبيانات الأولية. وهذا الانتقاء في “الغضب الأخلاقي” يسلط الضوء على فجوة في المناهج الدراسية الفرنسية، والتي غالباً ما تفشل في تقديم صورة متوازنة للصراع.
ويرى مراقبون أن هذه القضية تعكس صعوبة في موازنة السرديات التاريخية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالصراع العربي الإسرائيلي. وتُتهم المناهج الدراسية الفرنسية بإغفال السياقات الإنسانية للفلسطينيين لصالح تثبيت المصطلحات السياسية التي تتوافق مع توجهات الحكومة الفرنسية.
من المتوقع أن تشكل هذه الأزمة نقطة تحول في النقاش حول التعليم في فرنسا، وتحديداً فيما يتعلق بكيفية التعامل مع القضايا السياسية الحساسة في المنهج الدراسي. وستراقب الأوساط التعليمية والسياسية عن كثب الخطوات التي ستتخذها دار “هاشيت” لتصحيح الوضع، وكيف ستتعامل الحكومة الفرنسية مع هذه القضية في المستقبل. يبقى من غير الواضح ما إذا كانت هذه الأزمة ستؤدي إلى تغييرات جذرية في الكتب المدرسية، أو ما إذا كانت ستظل مجرد حادثة عابرة.





