Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
ثقافة وفنون

مقامات الهمذاني والحريري.. قصة فن أبهر الأدباء على امتداد ألف عام

تُعدّ “المقامات” لونًا أدبيًا عربيًا عريقًا، اشتهرت بصعوبة لغتها وزخارفها اللفظية، لكنها في الوقت نفسه واكبت روح عصرها وغاصت في أعماق ثقافتنا. ورغم ما قد يبدو فيها من تعقيد، إلا أن تأثيرها وشعبيتها بلغا أقصاهما، خاصة مع ظهور شخصيات أدبية بارزة مثل بديع الزمان الهمذاني وأبو طاهر محمد بن علي الحريري.

شهد القرن الرابع الهجري ظهور فن المقامات على يد بديع الزمان الهمذاني، الذي وضع أسس هذا الفن بأسلوبه المتميز. وفي القرن السادس الهجري، جاء الحريري ليُحدث نقلة نوعية، ويُصبح واسطة عقد هذا الفن الأدبي، حيث راجت مقاماته لرواج لم يشهده أي كتاب آخر في عصره، تاركًا بصمة لا تُمحى في تاريخ الأدب العربي.

فن المقامات: فن وإلهام

بدأ فن المقامات في أواخر القرن الرابع الهجري مع بديع الزمان الهمذاني، ثم حاول عدد من الأدباء محاكاة منهجه، منهم ابن نباتة السعدي وابن ناقيا البغدادي.

لكن الحريري، الذي جاء لاحقًا، ترك بصمة فارقة في هذا الفن، بل وصفه ابن خلكان بأنه “واسِطَةُ عِقدِ المَقاماتِ الأدبيّة”. وقد عبر الحريري نفسه عن طموحه في أن يأتي بعد بديع الزمان، مع اعترافه بسبق الهمذاني وتميزه.

رواج مقامات الحريري

تميزت مقامات الحريري بإتقانها للصنعة وإغفالها للتسلسل الجغرافي المتعمد، مع تركيزها على معالم البناء القصصي وتثبيت شخصيتي الراوي والبطل. وقد اختتم حياة بطله بالتوبة، وهو ما يميزه عن الهمذاني.

حازت مقامات الحريري على شهرة واسعة، حيث ذكر ياقوت الحموي في معجم الأدباء أنها “وافقت من السعد ما لم يوافق مثله كتاب عرفته”. كما شهدت ساحة النقد الأدبي نشاطًا كبيرًا، حيث كتب ابن الخشاب رسالة في الاعتراض عليها، ورد عليه ابن بري بالانتصار لها، ثم جاء عبد اللطيف البغدادي ليقدم كتابًا في الانتصاف بينهما.

تعددت شروح مقامات الحريري بشكل لافت، فقد شرحها هو نفسه أولًا، ثم تبعه خلق كثير من العلماء مثل ابن الأنباري والمطرزي والعكبري والشريشي. ويحصي حاجي خليفة في كشف الظنون أكثر من 35 شارحًا لهذه المقامات، مما يدل على أهميتها البالغة.

بين التأريخ والتخييل

تثير شخصيات المقامات، سواء كانت حقيقية أو خيالية، تساؤلات حول النسيج الدقيق بين الواقع والخيال. فالخيط الرفيع الذي يربط بين التاريخ والتخييل يجعلنا نتساءل عن هوية الأبطال؛ هل هم حقاً من بني الإنسان أم من نسج الخيال؟

في مقامات الهمذاني، يميل الرأي الراجح إلى أن بطله، أبا الفتح الإسكندري، شخصية خيالية، وإن يحتمل أنه استلهم اسمه من شخصيات معاصرة له. أما الحريري، فقد صرح بأن شخصيتي بطله وراويته، أبو زيد السروجي، هما من نسج خياله.

ومع ذلك، يذكر ابن خلكان عن القفطي أن اسم المطهّر بن سلار، الذي قيل إنه أبو زيد السروجي، كان شخصية حقيقية بصريّة لغوية صحب الحريري. وهذا يشير إلى أن أبطال المقامات غالبًا ما يجمعون بين الواقع والخيال.

تُعدّ مسألة هوية بطل مقامات الهمذاني محل نقاش مستمر. وقد توصل الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي إلى رأي حاسم بأن أبا الفتح الإسكندري هو نفسه أبو دلف الخزرجي، مستشهداً بنص للثعالبي يوضح أن بديع الزمان أنشد شعرًا لأبي دلف، وهذا الشعر نفسه نسبه في مقاماته لأبي الفتح.

على خطى المقامات

في القرن السادس الهجري، ظهرت مقامات ليحيى بن سلامة الحصكفي، الذي امتدحه العماد الأصبهاني. كما ظهرت مقامات الطبيب النصراني أبي العباس يحيى بن سعيد بن ماري البصري، والتي تميزت بتضمينها لبعض الجوانب المهنية كونه طبيبًا.

لم يتوقف تطور فن المقامات عند هذا الحد، بل استمرت المؤلفات في هذا الاتجاه على مر القرون. ففي القرن السابع الهجري، نجد مقامات ابن عفيف التلمساني. وفي القرن الثامن، تظهر المقامات الزينية لابن الصيقل الجزري البغدادي. وفي القرن التاسع، وضع السيوطي وابن قسطلاني مقاماتهما.

تستمر الإشكالية حول طبيعة بطل المقامة، وما إذا كان شخصية تاريخية حقيقية أم مجرد بناء خيالي. وبينما ترى بعض الدراسات أن شخصيات مثل أبي الفتح الإسكندري قد تكون مستوحاة من شخصيات تاريخية، فإن أخرى تؤكد افتراضية تلك الشخصيات. ورغم صعوبة لغتها، تظل المقامات تراثًا أدبيًا غنيًا يستحق الدراسة والتقدير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى