من لويزيانا إلى غرينلاند.. تاريخ أميركي طويل في شراء الجغرافيا

تتصاعد التكهنات حول مستقبل جزيرة غرينلاند، مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اهتمامه بضمها إلى الولايات المتحدة. هذه الخطوة، وإن بدت مفاجئة للبعض، تتسق مع تاريخ طويل من شراء الأراضي من قبل الولايات المتحدة، وهي سياسة جغرافية اتبعتها عبر عقود. وتثير هذه التصريحات تساؤلات حول الأبعاد الاستراتيجية والاقتصادية لمثل هذه الصفقة المحتملة، وتأثيرها على العلاقات الدولية.
الاهتمام المتزايد بـغرينلاند يأتي في ظل التغيرات المناخية التي تشهدها المنطقة القطبية الشمالية، والتي تفتح فرصًا جديدة للاستكشاف والاستغلال للموارد الطبيعية. كما أن موقع الجزيرة الاستراتيجي يجعلها ذات أهمية عسكرية ولوجستية متزايدة، خاصة في ظل التنافس العالمي المتصاعد في المنطقة. وتشير التقارير إلى أن إدارة ترامب قد بحثت بالفعل في آليات لـ”شراء” الجزيرة، بما في ذلك تقديم حوافز مالية مباشرة لسكانها.
صفقات سابقة في تاريخ شراء الولايات المتحدة للأراضي
لم تكن فكرة شراء الأراضي غريبة على السياسة الأمريكية، بل هي جزء من تاريخها التوسعي. فقد سعت الولايات المتحدة على مر السنين إلى توسيع نفوذها ومساحتها الجغرافية من خلال عمليات شراء واستحواذ على أراضٍ من مختلف الدول.
صفقة لويزيانا (عام 1803)
تعتبر صفقة لويزيانا من أبرز الأمثلة على هذه السياسة. في عام 1803، اشترت الولايات المتحدة إقليم لويزيانا من فرنسا مقابل 15 مليون دولار، وهو ما يعادل حوالي 380 مليون دولار اليوم. وقد ضاعفت هذه الصفقة مساحة الولايات المتحدة بشكل كبير، وفتحت الباب أمام التوسع غربًا.
ألاسكا (عام 1867)
في عام 1867، قامت الولايات المتحدة بشراء ألاسكا من روسيا مقابل 7.2 مليون دولار. في البداية، اعتبر البعض هذا الشراء “خطأ ترامب” كما وصفه بعض المعارضين حينها، لكن ألاسكا أصبحت فيما بعد ولاية أمريكية غنية بالموارد الطبيعية، بما في ذلك النفط والغاز والمعادن.
جزر فيرجن (1917)
في عام 1917، اشترت الولايات المتحدة جزر فيرجن من الدنمارك مقابل 25 مليون دولار. وقد جاء هذا الشراء في سياق الحرب العالمية الأولى، ورغبة الولايات المتحدة في تأمين مواقع استراتيجية في منطقة البحر الكاريبي. وتعتبر هذه الجزر الآن منطقة تابعة للولايات المتحدة.
غرينلاند: الأهمية الاستراتيجية والموارد الطبيعية
تختلف غرينلاند عن الأراضي التي اشترتها الولايات المتحدة سابقًا من حيث وضعها السياسي الحالي. فهي إقليم دانماركي يتمتع بالحكم الذاتي، ويبلغ عدد سكانها حوالي 57 ألف نسمة. ومع ذلك، فإن الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية لغرينلاند تجعلها هدفًا جذابًا للولايات المتحدة.
تتمثل الأهمية الاستراتيجية لغرينلاند في موقعها في القطب الشمالي، والذي يزداد أهمية مع ذوبان الجليد وتغير المناخ. كما أن الجزيرة تحتوي على احتياطيات كبيرة من الموارد الطبيعية، بما في ذلك النفط والغاز والمعادن النادرة. وتشير التقديرات إلى أن قيمة هذه الموارد قد تصل إلى تريليونات الدولارات. بالإضافة إلى ذلك، فإن وجود قاعدة عسكرية أمريكية في غرينلاند يعزز من قدرة الولايات المتحدة على مراقبة المنطقة القطبية الشمالية.
تتزايد المنافسة بين الولايات المتحدة وروسيا والصين في المنطقة القطبية الشمالية، حيث تسعى كل دولة إلى تأمين مصالحها واستغلال الموارد الطبيعية. وتعتبر غرينلاند نقطة محورية في هذا التنافس، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى منع روسيا والصين من الحصول على موطئ قدم قوي في المنطقة. وتشير بعض التقارير إلى أن الولايات المتحدة قد تقدم حوافز مالية لسكان غرينلاند لتشجيعهم على الانفصال عن الدنمارك، وهو ما قد يسهل عملية “شراء” الجزيرة.
في الوقت الحالي، ترفض الدنمارك أي فكرة عن بيع غرينلاند، وتؤكد على أنها جزء لا يتجزأ من المملكة الدنماركية. ومع ذلك، فإن الضغوط الأمريكية المتزايدة قد تدفع الدنمارك إلى إعادة النظر في موقفها. ومن المتوقع أن تشهد الأيام والأسابيع القادمة المزيد من المفاوضات والمناقشات حول مستقبل غرينلاند. ويجب مراقبة ردود الفعل من قبل الدنمارك وسكان غرينلاند، بالإضافة إلى تطورات المنافسة الجيوسياسية في المنطقة القطبية الشمالية، لتقييم احتمالات نجاح أي صفقة محتملة لـشراء الأراضي.
من المرجح أن تستمر الولايات المتحدة في الضغط على الدنمارك لبيع غرينلاند، خاصة مع تزايد الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية للمنطقة القطبية الشمالية. ومع ذلك، فإن نجاح هذه المساعي يعتمد على العديد من العوامل، بما في ذلك موقف الدنمارك ورغبة سكان غرينلاند، والتطورات الجيوسياسية في المنطقة. ومن المتوقع أن يتم اتخاذ قرار نهائي بشأن مستقبل غرينلاند بحلول نهاية عام 2026.





