“موسم صيد الميركافا”.. كيف يخوض حزب الله الحرب ضد دبابات إسرائيل؟

في مشهد المعارك المتغير باستمرار، لم تعد الدبابات، هذه الوحوش الفولاذية التي كانت رمزًا للقوة العسكرية، هي الكلمة الفصل في ساحات القتال. في جنوب لبنان، على وجه التحديد، نشهد تحولاً جذريًا في كيفية استخدام هذه المركبات. ما كان يُعدّ تحكمًا مطلقًا بالقوة النارية والدرع لم يعد كافياً، فالمسيّرات الصغيرة والرخيصة، التي بالكاد تُرى أو تُسمع، أصبحت تشكل تهديداً وجودياً، قادرة على استهداف الأنظمة الحساسة وإرباك الأطقم، مما يحول الدبابة من سلاح هجومي إلى هدف يخشى الحركة. هذا التحول، الذي بات جلياً بعد الحرب الأوكرانية، يعيد تشكيل مفاهيم الحرب البرية.
القاعدة الجديدة هي أن السلاح الخفيف، غير المكلف، يمكن أن يربك أو يعطل أو يشل حركة دبابة باهظة الثمن. في هذا المشهد الجديد، لم يعد التفوق حكراً على المعدن الأثقل، بل على من يرى أولاً ويضرب من حيث لا يُترقب. الدبابة، التي كانت ملكة المعارك البرية، تواجه الآن تحدياً جديداً، خاصة في ساحة المعركة بجنوب لبنان، حيث تتنافس التقنيات الحديثة مع العتاد التقليدي.
المسيّرات: انقلاب في الحرب البرية
الحرب في أوكرانيا، التي تتكشف تفاصيلها يوماً بعد يوم، قدمت دروساً قاسية حول دور المسيّرات. ففي تقرير لوكالة رويترز، وُصفت مسيّرات “منظور الشخص الأول” (FPV) بأنها غيرت شكل الحرب، وجعلت حركة المدرعات مخاطرة يومية. فقد أفاد قادة دبابات أوكرانيون بأن الدبابات لم تعد تجرؤ على دخول الحقول المكشوفة، بل أصبحت تُستخدم كمدفعية ثابتة، مختبئةً خوفاً من وابل المسيّرات.
تعتمد مسيّرات FPV على منظور المشغّل الذي يرى مباشرة عبر كاميرا المسيّرة، مما يمنحها قدرة فائقة على المناورة والدقة، سواء في الاستطلاع أو في استهداف الأهداف بدقة. غالباً ما تكون هذه المسيّرات منخفضة التكلفة، ويمكن تجهيزها بعبوات متفجرة لتصبح مسيّرات انتحارية. إنها تجمع بين الاقتصادية والدقة والمرونة، وتستطيع استهداف مواقع محصنة وأفراد، والطيران على ارتفاعات منخفضة بين العوائق، مما يصعب رصدها.
“استخدام المسيّرات في مواجهة الدبابات والمدرعات ليس تفصيلاً تكتيكياً فحسب، بل يمكن اعتباره انقلابًا في وظيفة الدبابة ذاتها.”
هذا التحول في وظيفة الدبابة من المناورة إلى البقاء، وتكلفة المسيّرات التي لا تتجاوز بضع مئات أو آلاف الدولارات مقابل ملايين الدبابات، يشكل انقلاباً في الحرب. فالآلاف من المسيّرات الدقيقة باتت تشل حركة دبابات تفوق قيمتها بعشرات أو مئات المرات.
خطة حزب الله: اقتصاد المسيّرات في جنوب لبنان
في جنوب لبنان، بدأ حزب الله بتطبيق ما يبدو أنه “حرب على الطريقة الأوكرانية” ضد إسرائيل، حيث نشر مقاطع مصورة لمسيّراته الانتحارية وهي تستهدف دبابات الميركافا الإسرائيلية. يدعي الحزب أنه دمر أو عطل عشرات الدبابات، وذلك عبر إطلاق عشرات الصواريخ والمسيّرات يومياً.
ورغم أن استخدام حزب الله للمسيّرات قد لا يصل إلى حجمه في أوكرانيا، إلا أنه يسعى للاستفادة من مبدأ “اقتصاد المسيّرات”. فالمسيّرات الرخيصة توازن كفة الحرب لصالح الطرف الأضعف. فبدلاً من المنصات الباهظة، يمكن الآن تنفيذ استطلاع وضربات واستنزاف بمسيّرات لا تتجاوز آلاف الدولارات، بينما يُجبر الخصم على استخدام دفاعات وذخائر أغلى بكثير.
أوكرانيا مثلاً، اشترت وأنتجت أكثر من 1.5 مليون مسيّرة FPV في عام 2024، وتخطط لزيادة العدد بشكل كبير. هذا يعكس تغيراً في التفكير العسكري، حيث أصبحت الكمية والقدرة على الإنتاج والاستهلاك والتعويض عوامل أساسية. المسيّرة لم تعد مجرد قطعة تقنية، بل جزء من اقتصاد حرب يعتمد على الوفرة والسرعة والإتاحة الصناعية.
ينتج عن ذلك مفهوم “الاستنزاف غير المتماثل”، حيث سلاح رخيص يفرض على الخصم دفاعات باهظة. فبينما تتكلف المسيّرة الإيرانية “شاهد” بضع عشرات من آلاف الدولارات، يتجاوز سعر صاروخ اعتراض واحد من نظام باتريوت 4 ملايين دولار. لذلك، لم يعد الهدف مجرد إسقاط المسيّرة، بل ثمن إسقاطها وقدرة الطرف الآخر على تكرار ذلك. هذا يدفع باتجاه حلول دفاعية أرخص كالمدافع والمسيّرات الاعتراضية والليزر.
“المسيّرة لم تعد مجرد قطعة تقنية بل جزء من اقتصاد حرب يقوم على الوفرة والسرعة والإتاحة الصناعية.”
وفي هذا السياق، برز استخدام حزب الله لمسيّرات مثل “شاهد 101″، وهي مسيّرة أصغر وأخف، أقرب للمسيّرات الانتحارية التكتيكية. الإنتاج المحلي لهذه المسيّرات، مع تأمين مكوناتها من محركات وبطاريات وشرائح إلكترونية، يعتبر عنصراً جوهرياً في اقتصاد المسيّرات، لأنه يقلل الاعتماد على سلاسل توريد خارجية هشة.
مسيرات الألياف الضوئية: تهديد جديد لإسرائيل
تُعدّ مسيّرات الألياف الضوئية أحدث التهديدات التي تواجهها إسرائيل، وقد استُخدمت مؤخراً في جنوب لبنان. هذه المسيّرات الانتحارية الصغيرة تتصل بمشغّلها عبر سلك ألياف ضوئية رفيع، مما يمنحها ميزتين حاسمتين: حصانة ضد التشويش الإلكتروني التقليدي، ونقل صورة واضحة ودقيقة، مما يجعلها فعالة ضد الأهداف المختبئة.
في أوكرانيا، برزت هذه الفئة كحل لمواجهة حرب التشويش المكثفة. لكن مداها مرتبط بطول السلك، واحتمال انقطاعه قائم، كما أن البكرة تزيد الوزن وتقلل الحمولة. ومع ذلك، ارتفعت واردات أوكرانيا من الألياف البصرية بشكل كبير، مما يشير إلى اعتبارها مادة استراتيجية في سباق المسيّرات.
التكتيك الذي يحاصر الدبابة
لم تقتصر هجمات حزب الله على المسيّرات، بل شملت أيضاً استخدام صواريخ “كورنيت” الروسية و”ألماس” الإيرانية، وهي صواريخ مضادة للدروع قادرة على اختراق دروع الدبابات. صاروخ “ألماس” الإيراني، الذي يُشبه صاروخ “سبايك” الإسرائيلي، يوفر قدرة أفضل على التوجيه والاشتباك المرن، مما يزيد الضغط على دبابات الميركافا حتى مع وجود أنظمة حماية نشطة.
تشكل هذه التكتيكات مجتمعةً منظومة قتالية متكاملة. المسيّرات توفر الرصد من منظور علوي، والضربات من الأعلى تستهدف السقف الأقل تدريعاً، بينما تضاف الصواريخ التقليدية والكمائن الأرضية. هذا الضغط المزدوج يقلل من قيمة الدبابة تدريجياً في ساحة قتال معقدة.
أول هذه المستويات هو الرصد والكشف، حيث تنزع المسيّرات ميزة الاختفاء عن الدبابة، وتكشف حركتها وأنماط مناورتها. هذا يمنح مقاتلي حزب الله صورة محدثة للميدان، تمكنهم من توجيه النيران في اللحظة الأنسب.
يأتي المستوى الثاني وهو الضرب المباشر من الأعلى أو من الزوايا الأضعف تدريعًا. فالدبابات مصممة لتحمل الضربات الأمامية والجانبية، لكن التهديد الجديد يركز على استهداف السقف، مما قد يكفي لتعطيل المناظير أو إخراج الدبابة من القتال.
أما المستوى الثالث فهو التشبع والإنهاك. فالدبابة لا تواجه تهديداً منفرداً، بل تتعرض لصواريخ ومسيّرات وقذائف متزامنة. في هذه البيئة، يصبح الضغط التراكمي على الطاقم وأنظمة الحماية مرهقاً، مما يجعل الدبابة أبطأ وأكثر عرضة للتوقف أو الاحتماء.
كيف تستجيب إسرائيل؟
رداً على هذه التهديدات، طورت إسرائيل نسخاً جديدة من نظام “تروفي” لتكون أكثر فعالية ضد الهجمات القادمة من الأعلى. كما تعمل على تطوير نظام “قبة المسيّرات”، الذي يجمع بين الرادارات وأجهزة كشف الإشارات اللاسلكية ووسائل التشويش. لكن مسيّرات الألياف الضوئية تشكّل تحدياً لهذا النظام، نظراً لاعتمادها على سلك بدلاً من الموجات اللاسلكية.
تُعتبر أنظمة الليزر، مثل “أيرون بيم”، حلاً إضافياً واعداً لإسقاط الأهداف الصغيرة بتكلفة تشغيل أقل. ومع ذلك، تواجه هذه الأنظمة تحديات مثل الحاجة لخط رؤية مباشر وتأثرها بالظروف الجوية. كما تُستخدم الأقفاص المعدنية كحل بسيط لحماية الدبابات من الطائرات المسيرة.
رغم هذه الابتكارات، فإن حرب أوكرانيا قدمت نموذجاً تحذيرياً للدبابات، حيث أصبح دخولها إلى “منطقة قتل” المسيّرات أمراً بالغ الخطورة، مما أفقدها موقعها التقليدي في الحروب البرية.
في نهاية المطاف، تعتمد حرب حزب الله غير المتكافئة ضد إسرائيل على نزع المزايا من الخصم الأقوى. الهدف ليس تدمير القوة الإسرائيلية دفعة واحدة، بل إبطاء تقدمها، رفع الكلفة، وتشتيت الانتباه، وتحويل كل تحرك إلى مخاطرة.
“تقوم حرب حزب الله غير المتكافئة ضد إسرائيل على محاولة نزع المزايا من الخصم الأقوى وليس مجاراته في نقاط تفوقه.”
هذا هو منطق الحرب غير المتكافئة الحديثة: جعل القوة الكبيرة أقل حرية في استخدام قوتها. يعتمد حزب الله على خلايا صغيرة مرنة، تضرب ثم تنسحب، تاركةً للمسيّرات مهمة تعقّب التحركات وتحديد اللحظة المناسبة للهجوم.
نجاح حزب الله في خطته يعتمد على عاملين جوهريين: مدى قدرة خطوط إنتاج المسيّرات والصواريخ على الاستمرار، وصبر الإسرائيليين على حرب طويلة ومكلفة. فالحروب لم تعد شأنًا عسكريًا خالصًا، بل قدرة على استنزاف الطرف الآخر. وفي ظل الظروف المناسبة، يمكن للطرف الأضعف تقنيًا أن ينتصر في حرب طويلة.





