نافذة على كتاب “كيف نختلف؟”

يشهد العالم الإسلامي تحديات جمة، يرى محللون أنها تتجاوز الصراعات الخارجية لتشمل أزمة داخلية عميقة. يركز الدكتور سلمان العودة في كتابه الأخير “كيف نختلف؟” على هذه الأزمة الداخلية، مؤكدًا أن جوهر المشكلة لا يكمن في وجود الخلاف نفسه، بل في طريقة إدارته. هذا الكتاب يمثل دعوة للتأمل وإعادة تقييم التعامل مع التنوع الفكري والمذهبي في الأمة الإسلامية.
أزمة العالم الإسلامي: صراع داخلي أم خارجي؟
يشير الدكتور العودة إلى أن العالم الإسلامي يعاني من صراع مع ذاته أكثر من أي صراع مع قوى خارجية. هذا الصراع الداخلي، وفقًا لرؤيته، يضعف القدرة على العطاء والتفاعل الإيجابي مع العالم، ويستنزف طاقات الأمة. ويعكس هذا الوضع حالة من التذمر والسخط لدى المسلمين بسبب الانقسامات القائمة على أسس مذهبية أو قومية أو حزبية، مما يثير تساؤلات حول إمكانية تحقيق الوحدة والاتفاق.
جذور الخلاف: هل هي حتمية أم سوء إدارة؟
يطرح العودة سؤالاً جوهريًا: هل المشكلة تكمن في وجود الخلاف ذاته، أم في سوء إدارته؟ ويؤكد أن الخلاف أمر حتمي وطبيعي، بل هو ضروري لنمو وتطور المجتمعات. ويستشهد بآيات قرآنية تؤكد أن الاختلاف هو سنة كونية، وأن محاولة إلغاء الاختلاف أمر مستحيل وغير مرغوب فيه. فالاختلاف، كما يرى، يضفي حيوية وتنوعًا على الحياة، ويحفز على الإبداع والابتكار.
“كيف نختلف؟”: دعوة إلى أخلاقيات الجدال
يقدم كتاب الدكتور العودة “كيف نختلف؟” إطارًا عمليًا للتعامل مع الخلاف بطريقة بناءة ومثمرة. ويشدد على أهمية الالتزام بأخلاقيات الجدال، والتي تتضمن عدم التثريب أو التكفير، والإنصاف، والحذر من التعصب، واستعمال الصبر والرفق والمداراة. ويؤكد أن هذه الأخلاقيات ليست مجرد مثالية نظرية، بل هي ضرورة حتمية للحفاظ على وحدة الأمة وتماسكها.
توسيع دائرة الاتفاق والتعاون
يركز الكتاب على أهمية توسيع دائرة الاتفاق والتعاون بين المسلمين، مع التعذر المتبادل في مسائل الخلاف. ويستشهد بقاعدة الإمام رشيد رضا الشهيرة: “نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه”. ويذكر بموقف النبي صلى الله عليه وسلم من حلف الفضول، مؤكدًا أن هذا النهج يجب أن يطبق على جميع أنواع الخلافات، سواء كانت مذهبية أو حزبية أو غيرها.
دور العلماء والعامة في إدارة الخلاف
يشير الدكتور العودة إلى أن إدارة الخلاف تتطلب جهودًا مشتركة من العلماء والعامة. ويؤكد أن العلماء يجب أن يلتزموا بأخلاقيات الخلاف، وأن يتجنبوا التعصب والتحيز، وأن يحترموا آراء الآخرين. أما العامة، فيجب عليهم ألا ينهمكوا في قضايا الخلاف الجدلية إلا إذا كانوا من أهلها، وأن يتركوا الأمر للعلماء والمتخصصين.
أسباب الخلاف المشروعة والمبررة
يوضح الكتاب أن اختلاف العلماء له أسباب مشروعة، تتعلق بفهم الأدلة الشرعية وتفسيرها. ويفرق بين الاختلاف المبني على حجة شرعية، والاختلاف الذي يكون الحامل عليه غرضًا شخصيًا أو هوى. ويؤكد أن الاختلاف المبرر يجب أن يحترم ويقدر، بينما يجب هجر الأقوال الشاذة التي تتعارض مع نص القرآن والسنة أو الإجماع القطعي.
وحدة القلوب لا وحدة العقول
يختتم الدكتور العودة كتابه بالتأكيد على أن المطلوب هو وحدة القلوب لا وحدة العقول. ووحدة القلوب تعني سلامة الصدر، وعمق الإخاء، والتسامح، مهما يكن من التفاوت في الرأي. ويؤكد أن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، وأن الاختلاف هو طبيعة بشرية لا يمكن إلغاؤها. فالاختلاف، في نهاية المطاف، هو مصدر للإثراء والتنوع والتقدم.
من المتوقع أن يثير كتاب “كيف نختلف؟” نقاشًا واسعًا في الأوساط الإسلامية حول كيفية التعامل مع الخلاف بطريقة بناءة ومثمرة. ويبقى التحدي الحقيقي هو ترجمة هذه الأفكار إلى واقع عملي، من خلال تدريس أدب الخلاف في المدارس والجامعات والمساجد، وتدريب الشباب على ممارسته عمليًا. وستظل مسألة الوحدة الإسلامية، في ظل التحديات المتزايدة، محور اهتمام الباحثين والمفكرين في المستقبل القريب.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.





