هل يذهب السودان لحل “مجلس السيادة”؟

الخرطوم – أثارت تقارير عن توجه نحو حلّ مجلس السيادة الانتقالي السوداني وتعيين القائد عبد الفتاح البرهان رئيساً للجمهورية، جدلاً سياسياً وقانونياً واسعاً داخل السودان وخارجه. وتأتي هذه التسريبات في ظل استمرار الصراع المسلح الدائر في البلاد منذ منتصف أبريل/نيسان 2023، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي. يرى مراقبون أن هذه الخطوة قد تكون قيد الدراسة، لكن نشر الأنباء عنها يمثل اختباراً للردود الفيولية قبل اتخاذ قرار نهائي.
تأسس مجلس السيادة في أغسطس/آب 2019 بموجب اتفاق بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير، كجزء من عملية انتقال السلطة بعد الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير. وقد نصت الوثيقة الدستورية التي انبثقت عن هذا الاتفاق على فترة انتقالية مدتها 39 شهراً، وتولت خلالها المؤسسة الإشراف على شؤون الدولة، مع اعتبارها “رأس الدولة ورمز سيادتها ووحدتها”.
مجلس السيادة السوداني: تطورات ومهام
تألف مجلس السيادة في البداية من 11 عضواً، مقسمين بين مدنيين وعسكريين، مع رئاسة عسكرية للأشهر الـ21 الأولى ثم تولي مدني للمنصب. شهد المجلس تعديلات عديدة، بدءاً من زيادة عدد أعضائه إلى 14، ثم خروج ممثلي التحالف المدني بعد إجراءات البرهان في أكتوبر/تشرين الأول 2021.
مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، تم إعفاء نائب رئيس المجلس محمد حمدان دقلو “حميدتي”، وتغيير تمثيل الحركات المسلحة في المجلس، إضافةً إلى تعيين ممثل لإقليم شرق السودان. هذه التغييرات تعكس الصراع المتصاعد على السلطة والنفوذ في البلاد.
في البداية، حددت الوثيقة الدستورية مهام المجلس في الجوانب السيادية فقط. ولكن بعد إجراءات 2021، وسّع البرهان صلاحياته لتشمل الإشراف على الوزارات. لاحقاً، ومن خلال وثيقة دستورية معدلة في فبراير الماضي، مُنح مجلس السيادة ورئيسه صلاحيات واسعة، حوّلته من مؤسسة رمزية إلى مجلس رئاسي تنفيذي.”
صلاحيات موسعة لمجلس السيادة
تشمل الصلاحيات الجديدة الممنوحة لمجلس السيادة تعيين وإقالة رئيس الوزراء، واعتماد أعضاء الحكومة، واختيار وعزل ولاة الولايات، وتعيين رئيس القضاء، وإعلان حالة الطوارئ والحرب، والمشاركة في صياغة السياسة الخارجية. هذه الصلاحيات الواسعة أثارت انتقادات حول تركيز السلطة في يد المجلس وهيمنة المؤسسة العسكرية.
التسريبات وتداعياتها رغم النفي
في الأيام الأخيرة، انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي معلومات تفيد بوجود نية لحل مجلس السيادة وتعيين البرهان رئيساً للجمهورية. وقد نسبت هذه التسريبات إلى مصادر قريبة من دوائر صنع القرار في البلاد.
ورد نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار على هذه الأنباء مؤكداً عدم مناقشته أي قرار يتعلق بحل المجلس، واصفاً ما تم تداوله بأنه “ابن لقيط لا نسب له”.
يرى المحلل السياسي الهندي عز الدين أن هذه التسريبات تهدف إلى جس نبض الرأي العام، وتحمل في طياتها محاولة لاستكشاف ردود الأفعال قبل اتخاذ أي قرار. ويشير إلى أن المناخ السياسي الراهن يمر بخلافات بين أعضاء المجلس العسكري، مما يخلق بيئة غير صحية تؤثر على عمل المؤسسة.
في المقابل، يحذر الكاتب الطاهر ساتي من أن أي محاولة لتفكيك مجلس السيادة في هذه المرحلة الحساسة قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار وزيادة تعقيد المشهد السياسي. ويعتبر أن ذلك يمثل خطراً على وحدة القيادة ويؤدي إلى إعادة إنتاج الحكم الفردي الذي رفضه الشعب السوداني.
الرؤية القانونية
من الناحية القانونية، يؤكد الخبير القانوني عبد الله الهواري أنه لا يمكن حل مجلس السيادة إلا من خلال تعديل الوثيقة الدستورية وإقراره في المجلس التشريعي المؤقت. ويحذر من أن أي محاولة لفرض حل أحادي ستؤدي إلى إشكالات قانونية ودستورية تتعلق بشرعية الإجراء.
ويرى الهواري أن تشكيل مجلس تشريعي انتقالي هو المسار الأفضل لحل مجلس السيادة والعودة إلى نظام رئاسي ديمقراطي، عبر إقرار دستور جديد أو العودة إلى دستور عام 2005. ومع ذلك ، يشدد على أن مثل هذه الخطوة يجب أن تتم من خلال حوار سوداني شامل يضمن التوافق الوطني.
في الختام، يظل مستقبل مجلس السيادة الانتقالي مجهولاً، في ظل استمرار الأزمة السياسية والأمنية في السودان. من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة مزيداً من المشاورات والمفاوضات بين الأطراف المعنية، في محاولة للوصول إلى حل سياسي يضمن الاستقرار والانتقال الديمقراطي. وستظل تطورات الوضع الأمني والسياسي، والتوصل إلى اتفاق نهائي بشأن تقاسم السلطة، هي العوامل الحاسمة التي ستحدد مستقبل المؤسسة ومسار التحول السياسي في البلاد.





