فايننشال تايمز: مغامرة روسيا بفنزويلا فشلت لهذه الأسباب

كشف اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على يد قوات أميركية خاصة عن تراجع ملحوظ في النفوذ الروسي في أميركا اللاتينية، وتحديداً فيما يتعلق بمشروع موسكو الطويل الأمد لتحويل فنزويلا إلى رأس حربة مناهضة للولايات المتحدة. هذه التطورات تلقي الضوء على مدى فشل الاستثمار الروسي الكبير في فنزويلا، والذي استمر لعقود طويلة. يمثل هذا الحدث نقطة تحول في العلاقات الجيوسياسية بالمنطقة.
أكدت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، في تقرير لها، أن رد الفعل الروسي كان باهتًا، واقتصر على إدانات محدودة، مما يعكس تراجع القدرة أو الرغبة لدى موسكو في حماية حليف تقليدي. هذا التراجع يأتي في وقت حرج بالنسبة لروسيا، مع تركيزها المتزايد على الحرب في أوكرانيا.
تاريخ العلاقات الروسية الفنزويلية: مشروع فنزويلا الاستراتيجي
بدأ التقارب الروسي الفنزويلي في مطلع الألفية مع الرئيس هوغو تشافيز، الذي رأى في موسكو شريكًا استراتيجيًا يمكنه تحدي الهيمنة الأمريكية. سرعان ما ترجم هذا التقارب إلى تعاون عسكري واسع النطاق واستثمارات نفطية ضخمة، قادتها شركة روسنفت النفطية الروسية برئاسة إيغور سيتشين، المقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
كان الهدف المعلن من هذه الاستثمارات تعزيز قطاع النفط الفنزويلي، لكن مراقبين يرون أن الدافع الحقيقي كان سياسيًا، حيث سعت روسيا إلى ترسيخ نفوذها في منطقة تعتبرها جزءًا من دائرة اهتمامها الاستراتيجي. ومع ذلك، واجهت روسيا تحديات كبيرة في فنزويلا، بما في ذلك تكاليف الإنتاج المرتفعة والفساد المستشري.
تأثير العقوبات الأمريكية
أدت العقوبات الأمريكية المتزايدة على فنزويلا إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية، مما أثر سلبًا على قدرة البلاد على الوفاء بالتزاماتها تجاه روسيا. ونتيجة لذلك، بدأت موسكو في تقليص نفوذها في فنزويلا تدريجيًا، قبل أن تبيع شركة روسنفت أصولها في البلاد عام 2020 في صفقة تثير العديد من التساؤلات.
بالإضافة إلى ذلك، لعب الانهيار الاقتصادي في فنزويلا وتفشي الفساد دوراً هاماً في إضعاف الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، مما زاد من صعوبة تحقيق الأهداف السياسية التي كانت تسعى إليها روسيا. وتشير مصادر إلى أن الاستثمارات الروسية لم تحقق العائدات المرجوة بسبب سوء الإدارة والتخطيط.
تغير الأولويات الروسية: أوكرانيا في المقدمة
مع اندلاع الحرب في أوكرانيا وتصاعد التوترات مع الغرب، تغيرت أولويات روسيا بشكل جذري. أصبح التركيز الرئيسي على دعم جهودها العسكرية والاقتصادية في أوكرانيا، مما أدى إلى تهميش فنزويلا وغيرها من الشراكات البعيدة.
وتشير التقارير إلى أن موسكو لم تعد قادرة على تخصيص الموارد اللازمة للحفاظ على نفوذها في فنزويلا، خاصة مع العقوبات الغربية المشددة التي تفرض قيودًا كبيرة على قدرة روسيا على الاستثمار والتجارة في الخارج. هذا التحول في السياسة الروسية له آثار كبيرة على مستقبل العلاقات بين البلدين.
كشفت فيونا هيل، المسؤولة الأمريكية السابقة، عن عرض روسي لتبادل النفوذ في فنزويلا مقابل أوكرانيا في عام 2019، وقد رفضت الولايات المتحدة هذا العرض بشكل قاطع. يوضح هذا الحادث الأبعاد الجيوسياسية المعقدة للعلاقات بين روسيا والولايات المتحدة، ومدى أهمية كل من فنزويلا وأوكرانيا في استراتيجيات القوى العظمى.
مستقبل العلاقات الروسية الفنزويلية
من المرجح أن تستمر العلاقات الروسية الفنزويلية في التدهور في المستقبل القريب، مع استمرار تركيز روسيا على أوكرانيا وتراجع قدرتها على دعم حلفائها البعيدين. قد تسعى فنزويلا إلى تنويع شراكاتها الدولية، بما في ذلك مع الولايات المتحدة، من أجل استعادة استقرارها الاقتصادي والسياسي.
في الوقت الحالي، تتجه الأنظار نحو رد فعل الحكومة الفنزويلية على اعتقال الرئيس مادورو، وما إذا كانت ستسعى إلى الحصول على دعم دولي لحماية مصالحها. ويجب مراقبة تطورات الوضع في فنزويلا عن كثب، حيث قد يكون لها تداعيات كبيرة على المنطقة بأسرها.
من المتوقع أن تصدر الحكومة الروسية المزيد من البيانات الرسمية في الأيام القادمة، والتي قد تلقي الضوء على رؤيتها لمستقبل العلاقات مع فنزويلا. يبقى من غير الواضح ما إذا كانت موسكو ستتخلى تمامًا عن طموحاتها في المنطقة، أم أنها ستسعى إلى إيجاد طرق جديدة للحفاظ على نفوذها المحدود.





