وعود ترامب.. ما الذي تحقق منها وما الذي لم يتحقق؟

بعد مرور عام على عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بات حسابه على منصة “تروث سوشيال” أكثر من مجرد نافذة للتعبير عن الآراء؛ فقد تحول إلى سجل شبه رسمي لوعوده وتوجيهاته. كشفت مراجعة شاملة أجرتها صحيفة وول ستريت جورنال لتحليلات أكثر من 6 آلاف منشور، أن ترامب أصدر توجيهات مباشرة أثرت على السياسات الاقتصادية والاجتماعية، مما يثير تساؤلات حول الفصل بين السلطات وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الحكم. هذا التحول في أسلوب الرئاسة يضع سياسة ترامب تحت المجهر.
أظهرت دراسة الصحيفة أن أكثر من 2700 تدوينة لم تكن مجرد ردود فعل عابرة، بل كانت تعليمات محددة للحكومة والشركات الكبرى. وقد أدت هذه التوجيهات إلى تحركات سريعة في بعض الملفات، بينما تعثرت أخرى، مما يكشف عن ديناميكية جديدة في صنع القرار الرئاسي. وتشمل هذه الملفات قضايا التجارة، والهجرة، وحتى تدخلات في قرارات الشركات الخاصة.
أولاً: التجارة والأعمال في عهد ترامب
ركز ترامب بشكل خاص على ملفات التجارة والأعمال، حيث أطلق وعودًا جريئة بتغيير ميزان القوى الاقتصادي. من بين هذه الوعود، فرض رسوم جمركية على واردات معينة، وإعادة توطين الصناعات الأميركية، وتشجيع الاستثمار المحلي.
الرسوم الجمركية على آيفون: وعد غير مُحقَّق
في مايو من العام الماضي، هدد ترامب بفرض رسوم جمركية على هواتف آيفون ما لم تُصنَّع داخل الولايات المتحدة. ومع ذلك، لم يتم تنفيذ هذا التهديد. نجحت شركة آبل في الحصول على إعفاءات من الرسوم الجمركية، وتجنبت العقوبات من خلال التعهد باستثمارات كبيرة في الولايات المتحدة. وبحسب تقارير، لا تزال معظم هواتف آيفون تُجمع في الخارج.
كوكاكولا والسكر الطبيعي: تحقيق جزئي للهدف
في يوليو، أعلن ترامب أن شركة كوكاكولا وافقت على استخدام السكر الطبيعي في منتجاتها داخل السوق الأميركية. وقد بدأت الشركة في طرح بعض المنتجات المحلاة بالسكر الطبيعي، لكنها لم تستبدل السكر المكرر بشكل كامل. يُعتبر هذا تحقيقًا جزئيًا للوعد، مع استمرار الشركة في بيع المنتجات التقليدية.
تأثير “تروث سوشيال” على السياسة والاقتصاد
أظهرت مراجعة منشورات ترامب أن المنصة أصبحت أداة رئيسية لتوجيه السياسات، وتحديد الأولويات، وحتى التدخل في قرارات الشركات. وقد أثارت هذه الممارسة جدلاً واسعًا حول مدى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على استقلالية المؤسسات الحكومية والخاصة. ويرى بعض المراقبين أن هذا الأسلوب يقوض مبدأ الفصل بين السلطات، بينما يرى آخرون أنه يعكس رغبة الرئيس في التواصل المباشر مع الشعب.
بالإضافة إلى ذلك، كشفت الدراسة عن أن بعض وعود ترامب قد تحققت بشكل كامل، بينما فشلت أخرى في تحقيق النتائج المرجوة. على سبيل المثال، نجح ترامب في إقناع شركة سبيس إكس بإعادة رائدي فضاء عالقين في محطة الفضاء الدولية، بينما لم يتمكن من تحقيق وعده بإرسال شيكات بقيمة ألفي دولار للأميركيين.
العدالة والقانون: تدخلات رئاسية مثيرة للجدل
تدخل ترامب في قضايا العدالة والقانون أثار أيضًا جدلاً واسعًا. فقد طالب بالإفراج عن تينا بيترز، المسؤولة الانتخابية التي أدينت بتهم تتعلق بالانتخابات، وهدد بسحب جنسية روزي أودونيل، الممثلة التي انتقدت سياساته. وقد أثارت هذه التدخلات تساؤلات حول مدى احترام الرئيس لاستقلالية القضاء.
في مجال الهجرة، نجح ترامب في تحقيق بعض المكاسب، مثل تقليل عدد المهاجرين غير النظاميين على الحدود الجنوبية. لكن وعوده بإنهاء نظام التعطيل البرلماني في مجلس الشيوخ لم تتحقق.
بشكل عام، تشير نتائج التحقيق إلى أن سياسة ترامب تتميز بالتقلب وعدم اليقين. فقد أثبت الرئيس قدرته على تحقيق بعض المكاسب السريعة، لكنه واجه أيضًا صعوبات كبيرة في تنفيذ بعض وعوده الأكثر طموحًا.
من المتوقع أن يستمر ترامب في استخدام منصة “تروث سوشيال” كأداة رئيسية للتواصل مع أنصاره وتوجيه السياسات. ومع ذلك، فإن تأثير هذه المنصة على الحكم لا يزال غير واضح، ويتوقف على مدى استجابة المؤسسات الحكومية والخاصة لتوجيهات الرئيس. وما يجب مراقبته في الفترة القادمة هو كيفية تعامل الكونغرس والمحاكم مع التدخلات الرئاسية في السياسات والقضايا القانونية، وكيف ستؤثر هذه التدخلات على مستقبل السياسة الأميركية. كما أن تطورات ملفات التجارة، وخاصة الرسوم الجمركية، ستكون مؤشرًا مهمًا على مدى جدية ترامب في تنفيذ وعوده الاقتصادية.





