أرقام صادمة.. السكري يكلف الاقتصاد العالمي تريليونات الدولارات ويهدد أنظمة الرعاية الصحية

يمثل داء السكري عبئًا اقتصاديًا متزايدًا على مستوى العالم، ويشكل تحديًا كبيرًا لأنظمة الرعاية الصحية. تشير تقديرات حديثة إلى أن هذا المرض المزمن يؤثر على واحد من كل عشرة بالغين حول العالم، مع استمرار ارتفاع معدلات الإصابة. هذا الارتفاع يضع ضغوطًا هائلة على الاقتصادات الوطنية وأنظمة الصحة العامة، ويتطلب استراتيجيات فعالة للوقاية والعلاج.
أظهرت دراسة حديثة أجراها المعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية (IIASA) وجامعة فيينا للاقتصاد والأعمال (WU Vienna) أن التكاليف الاقتصادية العالمية المرتبطة بـداء السكري تصل إلى حوالي 10 تريليونات دولار أمريكي سنويًا، وهو ما يعادل 0.2% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وتزداد هذه التكاليف بشكل كبير عند احتساب الرعاية غير الرسمية التي يقدمها أفراد الأسرة، حيث ترتفع إلى 152 تريليون دولار، أي ما يعادل 1.7% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
العبء الاقتصادي لـداء السكري: نظرة عالمية
وفقًا للدراسة، فإن الولايات المتحدة تتحمل أكبر حصة من التكاليف المطلقة لـداء السكري، تليها الصين والهند. ومع ذلك، عند النظر إلى نسبة العبء الاقتصادي إلى الناتج المحلي الإجمالي، تتصدر جمهورية التشيك القائمة بنسبة 0.5%، تليها الولايات المتحدة وألمانيا بنسبة 0.4% لكل منهما. على مستوى الفرد، تعاني أيرلندا وموناكو وبرمودا من أعلى الأعباء الاقتصادية، حيث تصل إلى 18,000 دولار و12,000 دولار و8,000 دولار للفرد على التوالي.
تفاوت التكاليف بين الدول
تختلف مكونات العبء الاقتصادي لـداء السكري بشكل كبير بين الدول ذات الدخل المرتفع والدول منخفضة الدخل. في الدول ذات الدخل المرتفع، تمثل تكاليف العلاج حوالي 41% من إجمالي العبء الاقتصادي، بينما تنخفض هذه النسبة إلى 14% فقط في الدول منخفضة الدخل. يعكس هذا التفاوت الاختلافات في الوصول إلى الرعاية الصحية، وتوافر الأدوية، ومستوى الخدمات الطبية المتاحة.
بالإضافة إلى ذلك، أظهرت الدراسة أن داء السكري يعتبر عامل خطر رئيسي للوفاة بسبب كوفيد-19، مما أدى إلى زيادة العبء الاقتصادي للمرض في دول مثل الصين والولايات المتحدة وألمانيا خلال فترة الوباء. هذا يشير إلى وجود تفاعل معقد بين الأمراض المزمنة والأمراض المعدية، وتأثيره على الأنظمة الصحية والاقتصادية.
تأثير الرعاية غير الرسمية على الاقتصاد
أشار الخبير الاقتصادي كلاوس بريتنر إلى أن الرعاية غير الرسمية التي يقدمها أفراد الأسرة للمرضى تلعب دورًا كبيرًا في زيادة التكاليف الاقتصادية. غالبًا ما يضطر مقدمو الرعاية إلى تقليل مشاركتهم في سوق العمل، مما يؤدي إلى خسارة في الإنتاجية والدخل. وتشير التقديرات إلى أن الرعاية غير الرسمية تمثل ما بين 85% و90% من إجمالي العبء الاقتصادي لـداء السكري.
هذه النتائج تسلط الضوء على أهمية دعم مقدمي الرعاية وتوفير لهم الموارد اللازمة لتمكينهم من الاستمرار في تقديم الرعاية دون التضحية بفرصهم الاقتصادية. كما تؤكد على ضرورة تطوير أنظمة رعاية صحية شاملة توفر خدمات دعم للمرضى وأسرهم.
الوقاية والعلاج: مفتاح التخفيف من العبء الاقتصادي
يؤكد الباحثون أن أفضل طريقة للتخفيف من العبء الاقتصادي لـداء السكري تكمن في التركيز على الوقاية من خلال تشجيع أنماط الحياة الصحية، بما في ذلك النشاط البدني المنتظم واتباع نظام غذائي متوازن. بالإضافة إلى ذلك، فإن الكشف المبكر عن المرض، والتشخيص السريع، والعلاج الفوري للمرضى يمكن أن يقلل بشكل كبير من التداعيات الصحية والاقتصادية للمرض.
تعتبر إدارة الأمراض المزمنة، مثل السمنة وارتفاع ضغط الدم، من العوامل الهامة أيضًا في الوقاية من داء السكري من النوع الثاني. الاستثمار في برامج التوعية الصحية وتعزيز السلوكيات الصحية يمكن أن يساهم في خفض معدلات الإصابة وتقليل العبء على الأنظمة الصحية.
من المتوقع أن تستمر تكاليف داء السكري في الارتفاع في السنوات القادمة، مع استمرار زيادة معدلات الإصابة وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية. تتطلب مواجهة هذا التحدي جهودًا متضافرة من الحكومات، ومقدمي الرعاية الصحية، والقطاع الخاص، والأفراد. سيتم التركيز في المستقبل القريب على تطوير استراتيجيات وقائية أكثر فعالية، وتحسين الوصول إلى الرعاية الصحية، وتعزيز البحوث العلمية لإيجاد علاجات جديدة ومبتكرة.





