إعلام عبري: المواجهة مع “حزب الله” ستتصاعد حتى في حال التوصل لوقف إطلاق نار مع إيران
تتسارع التطورات الميدانية على الجبهة الشمالية لتضع المنطقة أمام سيناريوهات قاتمة تتجاوز مجرد الاشتباكات المحدودة، حيث تشير آخر التقارير الواردة من الأراضي المحتلة إلى أن إسرائيل تستعد لمواجهة طويلة الأمد قد تمتد لأشهر. وفي ظل هذا التصعيد المستمر، يتابع المراقبون تطورات حرب لبنان بشكل مباشر ولحظة بلحظة، حيث يعمد العدو الصهيوني إلى تنفيذ سياسة استعمارية خبيثة تهدف إلى فرض واقع جغرافي جديد بالقوة، ممارساً أبشع أنواع الفساد والتدمير في القرى الحدودية، ومنتهجاً أسلوب الأرض المحروقة الذي يمتد أثره من غزة والقدس وصولاً إلى عمق الجنوب اللبناني، في محاولة يائسة لكسر إرادة المقاومة وتثبيت سيطرة ميدانية هشة.
استراتيجية الأرض المحروقة وتثبيت المنطقة العازلة
لم يعد الهدف الإسرائيلي مجرد ضربات جراحية أو استهداف لمخازن سلاح، بل انتقلت الماكينة العسكرية إلى استراتيجية “الأرض المحروقة” لتثبيت ما يسمى بالمنطقة العازلة وصولاً إلى نهر الليطاني. وزير الحرب الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، كان واضحاً في إعلان هذه النية، وهو ما تترجمه المشاهد القادمة من الحافة الأمامية للحدود اللبنانية.
الدمار المنهجي لم يعد يفرق بين منشأة عسكرية ومنزل مدني، والهدف المعلن هو جعل العودة إلى هذه القرى أمراً مستحيلاً في المستقبل القريب. إليكم رصداً لأبرز المناطق المتأثرة بهذا التدمير:
- بلدة الناقورة: شهدت هذه البلدة الساحلية أكبر عمليات تفجير منذ شهر آذار الماضي، حيث تجاوزت نسبة الدمار فيها 80%. التفجيرات طالت أكثر من 70 منزلاً في منطقة اللبونة وحدها، مما حولها إلى ركام يصعب معه إعادة الإعمار.
- عيتا الشعب: هذه البلدة التي لطالما كانت رمزاً للصمود، تتعرض اليوم لمسح كامل لمربعاتها السكنية. الحجارة المتطايرة من قوة الانفجارات وصلت إلى بلدة رميش المجاورة، مما يعكس حجم الأطنان من المتفجرات المستخدمة.
- بلدات القطاع الشرقي: قرى مثل كفركلا، وعديسة، ومركبا، أزيلت حرفياً عن الخارطة. لم يعد هناك طرقات صالحة للسير، ولا منازل قائمة، في خطة تهدف إلى عزل لبنان عن حدوده الجنوبية تماماً.
العجز العسكري والانتقام من الحجر
وفي مقابل آلة التدمير هذه، تكشف أخبار حزب الله الميدانية عن مفارقة صارخة؛ فبرغم مسح قرى كاملة وتفخيخ بيوت الآمنين، يقر الاحتلال داخلياً بعجزه عن شل القدرات الدفاعية للمقاومة. وما يصفه قادة العدو بـ “الاستدامة المقلقة” لعدة أشهر قادمة (بمعدل 200 عملية يومياً)، ليس مجرد أرقام تقنية، بل هو اعتراف صريح بفشل استراتيجية التدمير في تحقيق حسم ميداني. هذا العجز هو ما يدفع جيش الاحتلال لصب جام غضبه على منازل المدنيين، محاولاً تعويض فشله العسكري بفرض “وجع إنساني” لا ينتهي، وتحويل القرى إلى ركام وذكريات محطمة.
توسع دائرة النار والمخاوف من القادم
المقلق في التطورات الأخيرة هو شمول بلدات لم تكن ضمن دائرة الاستهداف المباشر بالتفجير الممنهج، مثل بلدة “دبل” في قضاء بنت جبيل. دخول دبل في قائمة القرى التي تُفجر فيها المنازل (8 منازل حتى الآن) رغم وجود سكانها فيها، يمثل سابقة خطيرة تعكس رغبة الاحتلال في ترهيب كافة المكونات اللبنانية وتهجيرهم قسرياً.
علاوة على ذلك، فإن الغارات اليومية لا تتوقف عند حدود الحافة الأمامية، بل تمتد لتطال “بلدات النسق الثاني” مثل شمع، كفرا، برعشيت، وكونين. هذا الضغط العسكري المتواصل يهدف إلى خلخلة الدفاعات وتأمين حماية للقوات المتوغلة التي تواصل تفجير المربعات السكنية في الخيام والطيبة ودير سريان. إنها سياسة استعمارية تسعى لفرض واقع جغرافي وديموغرافي جديد، متجاهلة كافة القوانين الدولية التي تمنع تدمير الأملاك الخاصة والمنشآت المدنية خلال النزاعات.
التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للعدوان
بعيداً عن الأرقام العسكرية، هناك مأساة إنسانية واقتصادية تتفاقم كل ساعة. فقدان السكان لمنازلهم بنسبة تفوق الـ 80% في العديد من القرى يعني أن جيل كامل سيعيش في حالة نزوح مستدام. منع إعادة الإعمار والتوغلات شبه اليومية التي استمرت في بعض المناطق لأكثر من 15 شهراً، جعلت من الأرض اللبنانية ساحة لتجارب الأسلحة والتفجيرات الضخمة.
على الصعيد الاقتصادي، جرف الطرقات وتدمير شبكات الكهرباء والماء في بلدات مثل الطيبة والقنطرة، يعطل أي إمكانية للحياة الزراعية أو التجارية التي يعتمد عليها سكان الجنوب. إن السياسة الخبيثة للعدو لا تكتفي بالقتل، بل تسعى لقتل سبل العيش، مما يجعل فاتورة الحرب باهظة ليس فقط على المستوى العسكري، بل على مستوى مستقبل الدولة اللبنانية وقدرتها على استيعاب هذا الحجم من الدمار والنزوح.
في الختام
تثبت الوقائع الميدانية أننا أمام مواجهة تتجاوز في تعقيداتها مجرد اشتباك حدودي عابر. إن الإصرار الإسرائيلي على تدمير الحافة الأمامية وتحويل القرى الحدودية إلى ركام، يقابله تقدير عسكري يعترف بقوة الخصم وقدرته على خوض حرب استنزاف طويلة الأمد. وبين هذا وذاك، يبقى الإنسان اللبناني هو من يدفع الضريبة الأغلى وسط صمت دولي مخزٍ تجاه سياسة الأرض المحروقة. إن المشهد الحالي يؤكد أن حتى لو سكنت المدافع في جبهات أخرى، فإن الجبهة اللبنانية ستبقى مفتوحة على كافة الاحتمالات، طالما ظل الاحتلال متمسكاً بعقليته الاستعمارية وسياسته في فرض المناطق العازلة على أنقاض حياة الأبرياء.





