اشتباكات في دلهي القديمة خلال حملة هدم قرب مسجد تاريخي

شهدت منطقة دلهي القديمة في العاصمة الهندية، يوم الأربعاء، تصاعدًا في التوترات واشتباكات بين الشرطة وسكان محليين، على خلفية قرار بلدية دلهي بهدم مبانٍ مجاورة لمسجد تاريخي يعود بناؤه إلى قرن مضى. وقد أثار قرار الهدم غضب السكان وإدارة المسجد، الذين يتهمون السلطات بالتحيز واستهداف الممتلكات الإسلامية.
وتركزت المواجهات بالقرب من مسجد فايز إلهي في بوابة تركمان، حيث بدأت السلطات في إزالة المباني بحجة أنها “تتعدى على أراضٍ عامة”. إلا أن السكان وإدارة المسجد يؤكدون أن هذه المباني شُيدت على أراضٍ وقفية إسلامية، وأن هدمها غير قانوني.
عملية الهدم وتصاعد التوترات
ووفقًا لصحيفة هندوستان تايمز، كان من المقرر أن تبدأ أعمال الهدم في الساعة الثامنة صباحًا، لكن الجرافات وصلت إلى الموقع في وقت مبكر جدًا – حوالي الساعة الواحدة والنصف فجرًا – مما أثار استياءً وغضبًا شديدين بين السكان المحليين. هذا التوقيت أدى إلى شعور بالصدمة وساهم في تفاقم الموقف.
أعلنت الشرطة أن عملية الهدم تمت بناءً على توجيهات من المحكمة العليا في دلهي، التي أصدرت حكمًا في 12 نوفمبر الماضي، يسمح لمؤسسة بلدية دلهي وإدارة الأشغال العامة بإخلاء مساحة تقدر بنحو 3618 مترًا مربعًا. وبررت المحكمة ذلك بادعاء أن هذه المساحة تمثل تعديًا على الملكية العامة.
الخلاف حول ملكية الأراضي
وفي 22 ديسمبر، أصدرت البلدية أمرًا بهدم أي مبانٍ تقام على مساحة لا تتجاوز 0.195 فدان. وأكدت في قرارها أن المسجد يقع ضمن هذه المساحة المسموح بها، وأن إدارة المسجد ومجلس الأوقاف في دلهي لم يقدموا وثائق تثبت ملكيتهم أو حق حيازتهم القانونية للأراضي المحيطة.
من جانبها، بادرت إدارة المسجد إلى الطعن في قرار البلدية أمام المحكمة العليا، معربة عن شكوكها حول الأسس القانونية التي اعتمدت عليها البلدية في اعتبار المباني المجاورة “تعديات”. وأكدت أن الأرض المحيطة بالمسجد، بما في ذلك المقبرة، مصنفة كوقف إسلامي، وهي أصول خيرية تخضع بشكل حصري لاختصاص محكمة الأوقاف.
وبحسب شهود العيان، ألقى المتظاهرون الحجارة على أفراد الشرطة تعبيرًا عن احتجاجهم على عملية الهدم، مما أدى إلى إصابة خمسة من أفراد الأمن على الأقل. ردت الشرطة باستخدام قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين والسيطرة على الوضع، وسط انتشار أمني مكثف حول المنطقة.
تؤكد سلطات البلدية أن العديد من المباني القائمة حول المسجد غير قانونية، بينما تشدد إدارة المسجد على أن الأرض تعود إلى وقف إسلامي يخضع لقانون الأحوال الشخصية للمسلمين الصادر عام 1937، وأن أي نزاع حول ذلك يجب أن يُنظر فيه من قبل محكمة الأوقاف المختصة. هذا النزاع القانوني المعقد هو جوهر الأزمة الحالية.
اتهامات متكررة واستهداف الممتلكات
تأتي هذه الأحداث في سياق اتهامات متزايدة للسلطات الهندية باستهداف ممتلكات المسلمين، بما في ذلك منازلهم ومحلاتهم التجارية والأماكن الدينية، بذريعة مخالفات قانونية. وتتركز هذه الاتهامات بشكل خاص في الولايات التي يحكمها حزب بهاراتيا جاناتا القومي الهندوسي، بقيادة رئيس الوزراء ناريندرا مودي. هذا التوجه يثير مخاوف متزايدة بشأن التمييز.
وكانت منظمة العفو الدولية قد أدانت في فبراير من العام الماضي ما أسمته بـ “سياسة العدالة بالجرافات”، واعتبرتها أداة لمعاقبة نشطاء من الأقليات، وعلى رأسهم المسلمون. هذا التعبير يسلط الضوء على الجدل الدائر حول أساليب الهدم المستخدمة.
يذكر أن المحكمة العليا كانت قد أصدرت -الثلاثاء الماضي- إخطارًا للبلدية ومجلس الأوقاف وعدد من الأطراف الحكومية الأخرى، مطالبةً إياهم بتقديم ردودهم في غضون أربعة أسابيع. واعتبرت المحكمة أن القضية “تتطلب دراسة متأنية”، وحددت جلسة استماع أخرى في أبريل القادم.
الهدم المفاجئ، على الرغم من الإخطار القضائي، أثار احتجاجات واسعة النطاق، وأعاد إلى الواجهة الجدل حول سياسات الهدم، واستهدف المواقع الدينية والتاريخية في الهند. من المتوقع أن يستمر هذا الجدل في التصاعد حتى يتم البت في القضية بشكل نهائي، وإلى ذلك الحين تبقى المنطقة عرضة للتوترات المتجددة.





