الحافظ خليل إسماعيل.. “بستان أنغام” عراقي طوّع 77 مقاما لخدمة القرآن

برحيل القارئ العراقي الحافظ خليل إسماعيل، فقدت الأوساط القرآنية أحد أبرز رواد الطريقة العراقية في تلاوة القرآن الكريم. وصفه مدير مركز النعمان الدولي للدراسات القرآنية، الشيخ الدكتور ضياء عبد اللطيف المرعي، بأنه “مؤسس الطريقة العراقية في تلاوة القرآن الكريم من حيث المبدأ”، مشيراً إلى امتلاكه “حنجرة ذهبية وقدرة على توظيف حباله الصوتية بطريقة عجيبة” وإتقانه لجميع أنواع المقامات المتعارف عليها. اشتهر إسماعيل بصوته الجهوري وبقدرته الفريدة على تطويع الأنغام والمقامات، مما جعله مرجعاً في المقامات والنغم القرآني ولقب بـ “شيخ القراء العراقيين” و “قارئ الجنان”.
يعد الحافظ خليل إسماعيل، الذي ولد عام 1920 في بغداد، علامة فارقة في تاريخ تلاوة القرآن في العراق. بدأ صيته يذيع في سن مبكرة، وحفظ القرآن الكريم كاملاً رغم فقدانه بصره في صغره. بعد تخرجه من المدرسة العلمية الدينية عام 1943، تقدم بطلب إلى دار الإذاعة العراقية، وكانت أول تلاوة له على الأثير عام 1941. وفي عام 1942، منح لقب “الحافظ” بعد حصوله على المركز الأول في مسابقة للقراء.
سيرته ونشأته
برز صوت الحافظ خليل إسماعيل في قراءة القرآن الكريم في سن مبكرة لم تتجاوز 13 عامًا. ورغم فقدانه البصر في سن مبكرة، لم يمنعه ذلك من مواصلة تعليمه وحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب. تتلمذ في المدرسة العلمية الدينية وتخرج منها عام 1943.
بدأت شهرته وذاع صيته بعد أن تقدم بطلب لدار الإذاعة العراقية ليكون مقرئًا فيها. كانت أول تلاوة مباشرة له على الأثير عام 1941 من سورة المؤمنون. بعدها، وفي عام 1942، منحته دار الإذاعة لقب “الحافظ” بعد حصوله على المركز الأول في مسابقة ضمت عشرات القراء، وشملت اختبارات في القراءة والحفظ ومعرفة الأحكام الشرعية.
ونظراً لإمكانياته الصوتية، تولى الحافظ إمامة العديد من جوامع العاصمة العراقية بغداد، منها جامع السراي عام 1937، ثم مقرئًا في مدرسة نائلة خاتون الدينية خلال دراسته فيها. شغل بعدها رئاسة محفل القراء في جامع الإمام الأعظم “أبو حنيفة النعمان”، ثم انتقل للعديد من الجوامع الأخرى ومنها جامع صندل والشيخ عمر السهروردي.
أمّ الحافظ المصلين ببغداد على مدى عقود طويلة، وكان صوته يعانق السماء في الصلوات الجهرية وصلوات التراويح برمضان. كما قرأ في المسجد النبوي والمسجد الأقصى خلال رحلة عودته من الحج في ستينيات القرن الماضي. يؤكد شقيقه الشيخ عميد إسماعيل أن ما ميز الحافظ خليل إسماعيل هو موهبته الاستثنائية في تسخير المقامات لخدمة تلاوة القرآن، مع إجادته للقراءة التصويرية. تميز بأسلوب فريد في التلاوة بطابع حداثي، وهو ما أهّله له ذوقه الخاص.
مع امتلاكه لحنجرة ذهبية، إلا أن الحافظ خليل إسماعيل امتنع عن إنشاد الموشحات الدينية.
رغم عاصره العديد من المقرئين العراقيين المعروفين، إلا أن إتقان خليل إسماعيل لجميع المقامات بأصولها وفروعها، وكثرة تسجيلاته الصوتية، جعلته يستحق لقب شيخ القراء العراقيين. يرى الكاتب والصحفي مروان هشام أن ما ميز الحافظ عن أقرانه هو التبحر النادر في الأنغام والمقامات، وإجادته الدقيقة لها، والتنقل بين فروعها ووصلاتها المعقدة بمرونة مذهلة، موظفاً إياها لخدمة النص القرآني وتصوير المعنى. كان إسماعيل يمتلك مرجعية علمية، وأصبح مرجعاً في الأداء لدى أبناء جيله ومن بعدهم، ويمتلك ذاكرة توثيقية للنغم، وإحكاماً تاماً لمخارج الحروف وأحكام التجويد، مما جعل قراءته المعيار الذي تقاس به صحة الأداء العراقي.
مؤسس الطريقة العراقية
يعتبر الحافظ خليل إسماعيل مؤسس الطريقة العراقية في تلاوة القرآن الكريم، والتي تتميز بـ”الأداء النغمي”. ووفقًا لمدير مركز النعمان الدولي، فإن القراء العراقيين يمكنهم تأدية الطرق المصرية والشامية، بينما لا يستطيع الآخرون مجاراة الطريقة العراقية بسبب تعقيدها وصعوبتها. تعود هذه الصعوبة إلى شمولية واتساع الأنغام والمقامات العراقية، والتي تشمل كل المقامات في جميع الحضارات، على عكس الطرق المصرية والشامية التي لا تتجاوز 7 مقامات رئيسية. تتميز الطريقة العراقية بوجود هذه المقامات السبعة الرئيسية بالإضافة إلى فروعها وتفاصيلها، ليصل مجموعها إلى 77 نغمًا مشتقًا، والتي تحولت إلى فلكلور شعبي عراقي.
على الرغم من إمكانياته الهائلة، لم يمارس الحافظ التدريس بشكل مباشر للمقام العراقي وتلاوة القرآن بطريقته. كان له ثلاثة تلاميذ فقط، منهم مدير مركز النعمان الدولي للدراسات القرآنية، الشيخ عبد المعز شاكر، ومحمد حازم ملا حويش. تعلم التلاميذ من خلال الاستفادة من أوقات فراغ الشيخ في جلساته الخاصة، والتسجيلات الصوتية التي نتجت عن تلك الجلسات، والتي لا تزال أصداؤها حاضرة في العراق. وقد وثق الحافظ أركان التلاوة العراقية في المحافل الدولية والإذاعية، ليصبح صوته مرجعاً لكل من أراد تعلم أصول التلاوة العراقية.
واجهت الطريقة العراقية في التلاوة عوائق حالت دون انتشارها العالمي الواسع، ومن أهمها الصعوبة والتعقيد. فالطريقة العراقية تعتمد على المقام الصرف، وهو علم يحتاج لسنوات من الدراسة والتدريب، بخلاف الطريقة المصرية التي تعتمد على التطريب السلس. كما أن الطريقة العراقية مرتبطة وجدانياً ببيئة بعض المدن العراقية وتراثها، مما جعلها نخبوية وصعبة المحاكاة لمن هم خارج هذا النسيج الثقافي.
يعزو البعض انتشار الطريقة المصرية إلى وسائل الإعلام وسلطتها، بالإضافة إلى قدرة القارئ المصري على تسويق نفسه إقليمياً وعالمياً. كما أن فترات الحروب والحصار الاقتصادي لم تسمح للقارئ العراقي بنشر طريقته. ورغم ذلك، توجد مساعٍ حقيقية لإعادة نشر هذه الطريقة وتدريسها من خلال المعاهد القرآنية ومدارس المقام، مع ضرورة تأسيس مدرسة خاصة بتلاوة القرآن الكريم بالطريقة العراقية للحفاظ عليها وإضفاء طابع أكاديمي عليها.
توفي الشيخ الحافظ خليل إسماعيل عام 2000 ببغداد عن عمر يناهز 80 عامًا، تاركًا بصمة صوتية لا تزال أنغامها تتردد في قراءة القرآن الكريم والأذان في مختلف الإذاعات والقنوات العراقية، ليظل أيقونة تلاوة القرآن الكريم بالطريقة العراقية.





