الدعاية تحت النار.. أطفال غزة يهزمون رواية “الجيش الإنساني”

في خضم الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة، تتصاعد الاتهامات بتضليل إعلامي ممنهج، حيث يتم الترويج لصور “إنسانية” للجيش الإسرائيلي بالتزامن مع تقارير موثقة عن استهداف المدنيين، وخاصة الأطفال. هذه الازدواجية في الخطاب والسلوك تثير تساؤلات حول مصداقية الروايات الإسرائيلية وتأثيرها على الرأي العام العالمي، وتلقي الضوء على ممارسات **الدعاية الإسرائيلية** في مناطق الصراع.
فقد كشفت الجزيرة عن تناقض صارخ بين مقاطع فيديو تظهر جنودًا إسرائيليين وهم يقدمون المساعدات الغذائية للأطفال في غزة، وبين حوادث استهداف مماثلة لأطفال في نفس المنطقة خلال فترة زمنية قصيرة. هذا التناقض يضع علامة استفهام كبيرة حول دوافع هذه العروض الإنسانية الظاهرية، وما إذا كانت مجرد محاولة لتلميع صورة الجيش الإسرائيلي في ظل اتهامات واسعة بارتكاب جرائم حرب.
تزييف الحقائق من خلال الدعاية الإسرائيلية
نشر أفيخاي أدرعي، الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، مؤخرًا مقطع فيديو يظهر جنودًا وهم يقدمون الطعام لطفلين بالقرب من ما يسمى بـ “الخط الأصفر” في قطاع غزة، مع تعليق يركز على “الرحمة والإنسانية”. إلا أن هذا المشهد الإنساني المزعوم سرعان ما تبخر، حيث استشهد طفلان، سلمان الزكريا الزوارعة ومحمد يوسف الزوارعة، في اليوم التالي مباشرةً، نتيجة قصف إسرائيلي لمحيط مستشفى كمال عدوان شمال القطاع.
المسعف بلال صباح، الذي شارك في نقل جثامين الطفلين، أكد أن الجيش الإسرائيلي استهدفهما بصاروخ من طائرة مسيرة أثناء توجههما للحصول على مواد لبناء خيمة لعائلتهما. هذه الحادثة ليست منعزلة، بل تأتي في سياق سلسلة من التقارير التي وثقت استهداف الأطفال في غزة بشكل ممنهج منذ بدء الحرب.
الاستهداف الممنهج للأطفال
تشير بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى أن أكثر من 20 ألف طفل فقدوا حياتهم في الحرب المستمرة، بالإضافة إلى استشهاد 483 فلسطينيًا منذ وقف إطلاق النار، بينهم نسبة كبيرة من النساء والأطفال. وتشير هذه الأرقام إلى أن الأطفال يشكلون جزءًا كبيرًا من الضحايا المدنيين في غزة، مما يثير مخاوف جدية بشأن انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي.
وتشير التقارير إلى أن الاستهداف لا يقتصر على المناطق القريبة من “الخط الأصفر”، بل يمتد ليشمل المناطق المدنية الأخرى في القطاع، حيث وثقت منظمات أممية وحقوقية مئات الحالات التي قُتل فيها أطفال داخل منازلهم أو في محيط المدارس والمستشفيات ومراكز الإيواء. هذه الوقائع تؤكد أن الأطفال في قلب دائرة الاستهداف، وأن سياسة الجيش الإسرائيلي تتجاوز منطق الأخطاء الفردية.
الناشط عبد الرحمن بطاح (عبود) سرد قصة مؤثرة عن لقائه بجار الضحية قبل يومين من الحادثة، حيث كان الأب يتحدث عن المعاناة اليومية والاستهداف المستمر للمنطقة. بعد 48 ساعة، فقد الأب ابنه الوحيد، مما يجسد حجم المأساة التي يعيشها الفلسطينيون في غزة.
لقد ظهرت مقاطع فيديو مؤثرة لأبو محمد الزوارعة وهو يحتضن جثمان طفله، مخاطبًا الأطباء بصدمة وحزن عميقين. هذه المشاهد المؤلمة انتشرت على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، لتكشف عن عمق الفجوة بين الخطاب الإسرائيلي والواقع المأساوي في غزة.
التعمية الإعلامية وأهدافها
تُظهر المقارنة بين المشاهد “الإنسانية” المروجة وبين حوادث القتل الموثقة نمطًا ممنهجًا من التعمية الإعلامية. يُستغل الأطفال في مناطق التماس لصناعة محتوى ترويجي يهدف إلى تلميع صورة الجيش الإسرائيلي، بينما يجري استهدافهم بأسلحة دقيقة في المناطق المدنية فور غياب الكاميرات. هذه الممارسة تهدف إلى إعادة إنتاج صورة زائفة عن سلوك الجيش، وإخفاء الجرائم التي يرتكبها.
تعتبر هذه الحملات جزءًا من جهود أوسع نطاقًا لتشكيل الرأي العام العالمي، وتبرير الإجراءات الإسرائيلية في غزة. وتعتمد هذه الجهود على استغلال العواطف الإنسانية، وتشويه الحقائق، ونشر معلومات مضللة. وتشمل أيضًا استخدام وسائل الإعلام الاجتماعية، والتعاون مع المؤثرين، وتنظيم جولات إعلامية.
الوضع في غزة يظل معقدًا ومتدهورًا، مع استمرار القصف والتوترات الميدانية. من المتوقع أن تستمر الاتهامات المتبادلة بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، وأن تزداد صعوبة الوصول إلى حقيقة ما يجري على الأرض. يجب على المجتمع الدولي تكثيف جهوده للضغط على جميع الأطراف لوقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وفتح تحقيق مستقل في جرائم الحرب المرتكبة.





