السينما سلاحا لمواجهة الآخر.. من ينتصر في الحرب الأميركية الإيرانية؟

لا تقتصر المنافسة بين الولايات المتحدة وإيران على الساحة السياسية والاقتصادية، بل تمتد لتشمل المجال الثقافي، وتحديداً صناعة السينما. فمن خلال الأفلام، تُعاد صياغة التصورات وتُرسَّخ الصور النمطية، مما يؤثر بشكل كبير على الرأي العام العالمي. وتُعدّ الحرب السينمائية بين البلدين مثالاً واضحاً على ذلك، حيث يقدّم كل طرف رؤيته الخاصة لإيران وتاريخها.
تتجلى هذه المنافسة في أعمال سينمائية بارزة، مثل الفيلم الأمريكي “أرغو” (Argo) والفيلم الإيراني “انفصال” (A Separation). هذان الفيلمان، على الرغم من اختلافهما في الأسلوب والموضوع، يمثلان نقطة تحول في كيفية تقديم إيران للعالم، ويُظهران قوة السينما في تشكيل الوعي العام. وقد أثار كل منهما نقاشات واسعة حول دقة تصويره للأحداث والشخصيات.
الحرب السينمائية: “أرغو” وتصوير إيران كتهديد
صدر فيلم “أرغو” عام 2012، وهو من إخراج وبطولة بن أفليك، ويستند إلى قصة حقيقية لعملية إنقاذ دبلوماسيين أمريكيين من طهران خلال أزمة الرهائن عام 1979. لقد حقق الفيلم نجاحاً تجارياً ونقدياً كبيراً، وفاز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم، مما ساهم في تعزيز صورته كعمل سينمائي موثوق به.
ومع ذلك، أثار الفيلم جدلاً واسعاً بسبب تصويره لإيران كبيئة مليئة بالخطر والفوضى، حيث تظهر الحشود الغاضبة والشعارات المعادية لأمريكا في كل مكان. كما ركز الفيلم على الجانب التشويقي والإثاري من القصة، مع إبراز دور وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في العملية، وتجاهل الدور الهام الذي لعبته كندا في إنقاذ الدبلوماسيين، وفقاً لتقارير صحفية كندية وأمريكية.
يُظهر “أرغو” إيران كدولة معادية، مما يعزز الصورة النمطية السلبية عن المنطقة. وقد أشار بعض النقاد إلى أن الفيلم يبالغ في تصوير التوترات السياسية والأمنية في إيران، ويقدم سردية أحادية الجانب للأحداث.
تأثير “أرغو” على الرأي العام
ساهم نجاح فيلم “أرغو” في ترسيخ صورة إيران كتهديد في أذهان الجمهور الأمريكي والعالمي. وقد أدى ذلك إلى زيادة الدعم للسياسات المتشددة تجاه إيران، وتعزيز الروايات التي تصورها كدولة مارقة تسعى إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة.
بالإضافة إلى ذلك، أثار الفيلم نقاشات حول دور هوليوود في تشكيل الرأي العام، وتأثيرها على السياسة الخارجية. فقد اتهم البعض هوليوود بتقديم صور نمطية مشوهة عن إيران، وتجاهل تعقيدات الواقع السياسي والثقافي في البلاد.
“انفصال” والسينما الإيرانية: رؤية مختلفة لإيران
في المقابل، يقدم فيلم “انفصال” (A Separation) الذي صدر عام 2011، رؤية مختلفة لإيران. الفيلم من إخراج أصغر فرهادي، ويركز على قصة عائلة إيرانية تواجه صعوبات اقتصادية واجتماعية، ويُظهر كيف تؤثر هذه الصعوبات على علاقاتهم الشخصية وقراراتهم الأخلاقية.
على الرغم من أن الفيلم لا يتناول السياسة الخارجية بشكل مباشر، إلا أنه يكشف عن التحديات التي تواجهها الحياة اليومية في إيران، مثل الفقر والبطالة والفساد. كما يُظهر الفيلم تعقيدات المجتمع الإيراني، والتنوع الثقافي والاجتماعي الذي يميزه.
لقد حاز فيلم “انفصال” على العديد من الجوائز المرموقة، بما في ذلك الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي عام 2011، وجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي في عام 2012. وقد ساهم هذا النجاح في تسليط الضوء على السينما الإيرانية، وتعزيز مكانتها على الساحة الدولية.
“انفصال” وتحدي الصور النمطية
يمثل فيلم “انفصال” تحدياً للصور النمطية السلبية عن إيران، ويقدم صورة أكثر واقعية وتعقيداً للبلاد. فالفيلم لا يركز على العنف والتشدد، بل على المشاعر الإنسانية والتحديات التي تواجهها العائلات الإيرانية.
كما يُظهر الفيلم أن الإيرانيين ليسوا مجرد ضحايا للظروف السياسية والاقتصادية، بل هم أفراد لديهم إرادة وقدرة على اتخاذ القرارات والتأثير في حياتهم. وقد ساهم هذا التصوير الإيجابي في تغيير بعض التصورات الخاطئة عن إيران في أذهان الجمهور الغربي.
في الختام، تُظهر المنافسة السينمائية بين الولايات المتحدة وإيران كيف يمكن للأفلام أن تُستخدم كأداة للتأثير على الرأي العام، وتشكيل التصورات عن الدول والثقافات الأخرى. ومن المتوقع أن تستمر هذه المنافسة في المستقبل، مع ظهور المزيد من الأعمال السينمائية التي تقدم رؤى مختلفة لإيران وتاريخها. وسيكون من المهم متابعة هذه الأعمال، وتحليلها بشكل نقدي، لفهم كيف تساهم في تشكيل الوعي العام العالمي.





