كيف تتعلم من السقطات؟

تتعدد أساليبنا عند اتخاذ القرارات، بل إن وجهات نظرنا حول مختلف أمور الحياة متباينة كما هو معروف، هنالك من يتخذ القرارات الصحيحة لأنه يستند على خبرات تساعده على معرفة من أين يبدأ وكيف يتوجه نحو المسلك الصحيح، وهناك من يفتقر للخبرات اللازمة مما يوقعه في العديد من التجارب القاسية التي تصبح فيما بعد دروساً يستفيد منها في مسيرته القادمة.
قبل بضعة أيام قرأت قصة عن رجل فقير لا يجد قوت يومه، يعيش على ما يقدمه المحسنون من بعض المال أو الطعام أثناء جلوسه على جانب الطريق عند محطة القطار، في أحد الأيام شاهد امرأة في المحطة وقد فقدت محفظة نقودها ولم يكن لديها المال لشراء تذكرة القطار والعودة إلى منزلها، بادر هذا الرجل بدفع كل المبلغ الذي يحمله لتلك السيدة ولم يكن معه سوى عشرين دولاراً، عندها استطاعت شراء التذكرة والعودة إلى منزلها.
فيما بعد قامت تلك السيدة بنشر القصة على شبكة الإنترنت وقررت جمع تبرعات لمساعدة الرجل الفقير، لقيت مبادرتها صدى كبيراً وانتشرت بشكل واسع وأخذ الناس يتحدثون عن ذلك الرجل الشهم الذي قدم كل ما يملك من مال لامرأة لا يعرفها وهو في أمس الحاجة، استطاعت السيدة جمع تبرعات تجاوزت المليون دولار، ثم قامت هي وزوجها بإعطاء الفقير المبلغ كاملاً..
هنا بدأت المشكلة، نعم المشكلة، فقد أهدر الرجل الفقير هذا المال بسبب إدمانه على المخدرات، وعوضاً عن أن يغير حياته باستخدام ذلك المبلغ للعلاج والتعافي قام بإنفاقه بالكامل على المخدرات ليعود إلى الحياة السوداء، بل إنه قام برفع قضية على تلك السيدة وزوجها مدعياً بأنهما قاما بسرقة جزء من التبرعات، وأنهما قاما بدمج حساب التبرعات بحسابهما الخاص، ولم يقدما له سوى جزء من التبرعات.
ما حدث في هذه القصة نستفيد منه في جوانب عدة كدروس حياتية نتزود من خلالها بالخبرة اللازمة، ولعل من هذه الدروس الثمينة أهمية الاستقصاء، ولعل البعض سيسأل ما علاقة الاستقصاء بهذه القصة؟!.. أولاً تعريف الاستقصاء: «بأنه طريقة تفكير أو عملية عامة يسعى من خلالها الإنسان إلى المعرفة أو الاستيعاب».
وتلك السيدة لم تقم بهذه الخطوة في محاولة معرفة ظروف ذلك الرجل الفقير واستيعاب مجمل وضعه الحياتي، ولو أنها فعلت ذلك بمعنى لو أنها زودت نفسها بالمعرفة اللازمة واستوعبت تماماً ظروف وأسباب جنوح الرجل نحو حياة التشرد، لأدركت أنها عندما تعطيه مبلغ مليون دولار لا تساعده وإنما تزيد في محنته، وأن الأفضل دفع المبلغ لمصح ومركز علاج ليتعافى ثم مساعدته لافتتاح مشروع يدر عليه مصروفاً ثابتاً، هي لم تتساءل عن سبب كونه متشرداً ولا كيف أصبح فقيراً يعيش على الهبات والصدقات، ولو أنها توقفت ووضعت تساؤلات منطقية تستقصي فيه المعرفة وتحاول أن تستوعب الحالة، لما قامت بإعطائه هذا المبلغ الكبير.
لأنها تعلم أنه لن يحسن صرفها ولا استثمارها، لو أن السيدة قامت بعملية الاستقصاء في هذه القصة لتغير كثير من مجرى الأحداث فيها تماماً.. نحن بحاجة إلى الاستقصاء وبحاجة إلى طرح الأسئلة دوماً، فهي تساعدنا على معرفة الجوانب الأخرى الغائبة عن الذهن، وتزيد فرص النجاح عند الشروع في أمر ما، ليكن الاستقصاء أولاً كمعرفة وخبرة وأداة تساعدنا على تجنب العقبات والسقطات والقرارات الخاطئة.