الصحافة الفرنسية: تهديدات ترامب بضم غرينلاند تثير الرعب وتظهر العجز الأوروبي

قبل أيام قليلة من انتهاء شهر يوليو عام 2026، تصاعدت التوترات حول وضع جزيرة غرينلاند، بعدما أثارت تصريحات للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب حول الجزيرة مخاوف أوروبية متزايدة. الصحف الفرنسية الرئيسية تناولت القضية من زوايا مختلفة، مع التركيز على التهديد المحتمل للسيادة الأوروبية، والعجز الظاهر عن مواجهة أي تحرك أمريكي مباشر نحو الجزيرة الاستراتيجية. التحليل يشير إلى أن هذه الأزمة قد تعيد تشكيل التحالفات عبر الأطلسي، وتؤثر بشكل كبير على الأمن في المنطقة القطبية الشمالية.
أزمة غرينلاند: نظرة من الصحافة الفرنسية
بدأت صحيفة لوموند بتحليل الأبعاد الجيوسياسية لأزمة غرينلاند، مشيرةً إلى أن سياسة الإدارة الأمريكية في عهد ترامب تكشف عن تحول الولايات المتحدة إلى منافس حقيقي لأوروبا، لا يقل خطورة عن التحديات التي تمثلها روسيا والصين. وأشارت لوموند إلى أن الضغوط التي تواجهها أوروبا متزايدة الأبعاد، وتتطلب منها إعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية والأمنية.
وبحسب لوموند، فإن الإعلان عن “حماية” غرينلاند من قبل الولايات المتحدة يُنظر إليه على أنه محاولة للسيطرة على المنطقة الغنية بالموارد الاستراتيجية، ومحاولة لتقويض النفوذ الأوروبي المتزايد في القطب الشمالي. وترى الصحيفة أن أوروبا أمام خيار صعب: إما الاستسلام للضغوط الأمريكية، أو العمل على بناء قدراتها الدفاعية المستقلة.
الخلافات حول السيادة والنفوذ
صحيفة لوفيغارو، من ناحية أخرى، ركزت على الجانب العملي للأزمة، مشيرةً إلى أن أوروبا ليست مستعدة عسكريًا لمواجهة الولايات المتحدة في نزاع حول غرينلاند. وشددت لوفيغارو على ضرورة التوصل إلى حل دبلوماسي يضمن مصالح جميع الأطراف، ويجنب المنطقة خطر التصعيد العسكري.
وانتقدت لوفيغارو صمت الحكومات الأوروبية، ودعت إلى تبني موقف أكثر حزمًا تجاه الإدارة الأمريكية. وأكدت الصحيفة أن الدفاع عن مصالح أوروبا يتطلب وحدة الصف، والقدرة على اتخاذ قرارات مستقلة، بعيدًا عن أي تأثير خارجي.
بينما سلطت صحيفة لاكروا الضوء على الذعر المتزايد في أوروبا من تهديدات ترامب، معتبرةً أن هذه التهديدات تمثل تحديًا وجوديًا للاتحاد الأوروبي. وأشارت لاكروا إلى أن الإدارة الأمريكية تبدو عازمة على فرض إرادتها على أوروبا، وأنها لا تتردد في استخدام القوة لتحقيق أهدافها.
وأضافت لاكروا أن أوروبا بحاجة إلى إعادة النظر في علاقاتها مع الولايات المتحدة، وإلى العمل على بناء شراكة أكثر توازنًا، تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. وتتطرق الصحيفة إلى المخاوف المتعلقة بـ**القطب الشمالي** وتداعيات استغلال موارده على الأمن الإقليمي والدولي.
ردود الفعل الأوروبية
صحيفة لوباريزيان تركزت على أن العملية الأمريكية للضغط على غرينلاند قد بدأت بالفعل، معتبرةً أن التهديدات المعلنة هي مجرد جزء من خطة أوسع تهدف إلى زيادة النفوذ الأمريكي في المنطقة. وأن أوروبا تتخبط في محاولتها إيجاد رد مناسب، سواء من خلال الدبلوماسية أو من خلال التحركات العسكرية الرمزية.
وتشير لوباريزيان إلى أن أوروبا تعاني من نقص في الأدوات اللازمة للردع الفعال، وأنها تعتمد بشكل كبير على حلف شمال الأطلسي (الناتو) في مسائل الدفاع، مما يجعلها عرضة للضغوط الأمريكية. لهذا فإن سياسة **الأمن القومي** لأوروبا تحتاج إلى إعادة تقييم شاملة.
ويرى مراقبون أن أوروبا تعي تمامًا الأهمية الاستراتيجية لغرينلاند، نظرًا لموقعها الجغرافي المميز، واحتياطياتها الضخمة من الموارد الطبيعية. وتسعى أوروبا إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع الدنمارك، التي تحتفظ بالسيادة على الجزيرة، وتجنب أي تصعيد قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك فإن قضية **التغيير المناخي** وتأثيرها على ذوبان الجليد في غرينلاند تزيد من تعقيد المشهد.
مستقبل غرينلاند: سيناريوهات محتملة
في الختام، يبدو مستقبل غرينلاند معلقًا، ويتوقف على التطورات السياسية والعسكرية في المنطقة. من المتوقع أن تشهد الأشهر القادمة مزيدًا من التوتر، مع استمرار الولايات المتحدة في ممارسة الضغوط على أوروبا. ويبقى السيناريو الأكثر ترجيحًا هو التوصل إلى حل دبلوماسي يرضي جميع الأطراف، لكن هذا الحل قد يتطلب تنازلات كبيرة من الجانب الأوروبي.
ما يجب مراقبته في الفترة المقبلة هو رد فعل الحكومات الأوروبية على التهديدات الأمريكية، ومدى قدرتها على التوحيد والعمل ككتلة واحدة. بالإضافة إلى ذلك، من المهم تتبع التطورات في حلف الناتو، وتقييم ما إذا كانت هذه الأزمة ستؤدي إلى إعادة هيكلة الحلف أو إلى تفككه. الوضع في غرينلاند سيظل نقطة اشتعال رئيسية في العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة في السنوات القادمة.




