Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
سياسة

الضم الصامت.. هل تفرض إسرائيل السيطرة الأمنية بديلا للضم؟

لم تعد إسرائيل بحاجة إلى إعلان ضم الضفة الغربية المحتلة حتى تفرض سيطرتها عليها، فبعيدا عن القوانين والقرارات الرسمية، تتشكل على الأرض معادلة جديدة تُنهي الصراع عمليا عبر حسمه ميدانيا، مستندة إلى مفهوم “السيادة الأمنية” بوصفه بديلا أقل كلفة من الضم المباشر. هذا التحول في السياسة الإسرائيلية يثير تساؤلات حول مستقبل القضية الفلسطينية والجهود الدولية المبذولة لحل الصراع.

هذه المقاربة شكّلت جوهر النقاش في حلقة برنامج “مسار الأحداث”، حيث بدا واضحا أن ما يجري في الضفة ليس تصعيدا ظرفيا، بل مسارا إستراتيجيا يسعى إلى حسم الصراع جذريا، عبر تفكيك شروط قيام الدولة الفلسطينية بدل الاكتفاء بإدارة الصراع معها. وتأتي هذه التطورات في ظل انشغال دولي وإقليمي كبيرين بالقضايا الأخرى، مما يمنح إسرائيل هامش مناورة أوسع.

السيادة الأمنية: بديل الضم وتداعياته

يرى الأكاديمي والخبير في الشؤون الإسرائيلية الدكتور مهند مصطفى، أن “الحسم” لم يعد شعارا أيديولوجيا، بل خطة متعددة المراحل تبدأ بإلغاء أي أرضية سياسية أو جغرافية تسمح بقيام كيان فلسطيني مستقل، حتى قبل الوصول إلى الضم. وتعتمد هذه الخطة على فرض السيطرة الكاملة على الأرض والموارد.

وفق هذا التصور، لا تعود السيطرة الأمنية مجرد إجراء احترازي، بل تتحول إلى بديل كامل عن “السيادة القانونية”، حيث تفرض إسرائيل سلطتها على الأرض، والحدود، والحركة، والموارد، دون تحمل التزامات الدولة الضامة أو تبعاتها القانونية الدولية. هذا يعني أن إسرائيل تسعى إلى تحقيق مكاسب على الأرض دون تحمل المسؤوليات القانونية المترتبة على الضم الرسمي.

ما يميز المرحلة الحالية هو إدخال فاعل جديد إلى منظومة السيطرة، يتمثل في ميليشيات استيطانية مسلحة تعمل تحت مظلة سلطة الاحتلال، وتؤدي وظيفة مزدوجة: تنفيذ “العمل القذر” ميدانيا، وتوفير غطاء إنكاري للمؤسسة الرسمية. هذه المليشيات تعمل بشكل متزايد في الضفة الغربية، مما يزيد من التوتر وعدم الاستقرار.

هذا التداخل بين الجيش والمستوطنين لا يمكن فصله عن مفهوم السيادة الأمنية، إذ تصبح المليشيات جزءا من أدوات الحكم، لا جماعات خارجة عن القانون، في ظل حماية سياسية وقضائية وأمنية ممنهجة. وتشير التقارير إلى أن هذه المليشيات تتلقى دعما لوجستيا وقانونيا من الحكومة الإسرائيلية.

توسع الاستيطان وتقييد الحركة

ترافق هذه السيادة الأمنية مع توسع استيطاني عنيف، وخنق اقتصادي متصاعد، وتقييد شامل للحركة، مما يجعل الوجود الفلسطيني ذاته موضع اختبار دائم. وتشير الإحصائيات إلى زيادة ملحوظة في عدد المستوطنين والبناء الاستيطاني في الضفة الغربية خلال العامين الماضيين.

أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت الدكتور غسان الخطيب يلفت إلى أن الهدف لا يقتصر على السيطرة، بل يتعداه إلى جعل الحياة “غير قابلة للاحتمال”، بما يدفع الفلسطينيين تدريجيا إلى التفكير بالهجرة، في ما يشبه تهجيرا بطيئا لا يحتاج إلى قرارات رسمية. هذا التهجير البطيء يهدف إلى تغيير التركيبة السكانية في الضفة الغربية.

الموقف الدولي والاعتبارات الجيوسياسية

بيد أن هذا المسار يصطدم حتى الآن بتمسك اجتماعي لافت بالأرض، خاصة في المناطق الريفية المحيطة بالمستوطنات، حيث تلعب الروابط العائلية والتكافل المجتمعي دور خط الدفاع الأخير في مواجهة الزحف الاستيطاني. ومع ذلك، فإن هذا الصمود يواجه تحديات كبيرة بسبب تفوق القوة الإسرائيلية.

اللافت أن هذا التحول لا يتم بمعزل عن الموقف الأميركي، حيث يبرز تمييز لافت بين منع الضم الكامل من خلال تشريع، والتغاضي عن ممارسات الضم التدريجي، وهو ما يفتح المجال أمام إسرائيل للمضي في إستراتيجيتها دون اصطدام مباشر مع واشنطن. وتعتبر الولايات المتحدة أكبر حليف لإسرائيل، وتلعب دورا حاسما في تحديد مسار الصراع.

المسؤول السابق في الخارجية الأميركية الدكتور توماس واريك يصف هذا النهج بأنه “غياب للضوء الأحمر” أكثر من كونه ضوءا أخضر صريحا، موضحا أن إدارة ترامب تركز على منع خطوة دراماتيكية واحدة، وتتجاهل تراكم الخطوات الصغيرة. هذا التراكم للخطوات الصغيرة يؤدي إلى تغيير تدريجي في الوضع على الأرض.

مستقبل القضية الفلسطينية

في السياق الفلسطيني، يرى رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الخليل الدكتور بلال الشوبكي أن الرهان على الموقف الأميركي وحده ينطوي على قدر كبير من الوهم. ويعتبر أن إسرائيل تتحرك انطلاقا من قناعة بقدرتها على حسم الصراع، مستفيدة من اختلال موازين القوى والدعم الأميركي.

يتوقع المراقبون أن تستمر إسرائيل في تنفيذ هذه السياسة على الأرض، مع التركيز على تعزيز السيطرة الأمنية وتوسيع المستوطنات. ومن المرجح أن تشهد الضفة الغربية المزيد من التوتر والعنف في الأشهر المقبلة. يبقى من غير الواضح ما إذا كانت هناك أي مبادرة دولية جديدة قادرة على تغيير هذا المسار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى