المستنقع اللبناني.. إسرائيل تعود إلى “فخ” تاريخي للمرة الخامسة

في خطوة تستدعي ذكريات الماضي، يعيد الاحتلال الإسرائيلي إنتاج نمطه التاريخي في غزو جنوب لبنان، مما يشير إلى احتمال وقوعه في “مستنقع” جديد طويل الأمد. يأتي هذا التصعيد العسكري الدامي، الذي يستهدف المدنيين، ليعزز دور حزب الله بدلاً من تقويضه، حسبما يرى الكاتبان خوان كاباسيس فيغا وأنطونيو بيتا في مقال بصحيفة “إل باييس” الإسبانية.
غزو جنوب لبنان: تكرار للتاريخ ومستنقع جديد
يستخدم الكاتبان مصطلح “الوحل” أو “المستنقع” لوصف احتلال جنوب لبنان بين عامي 1982 و2000، حيث بدأت المواجهة بوعود “الأمن الحاسم” ضد منظمة التحرير الفلسطينية وانتهت بانسحاب مستعجل بعد 18 عامًا من الاستنزاف. تتكرر اليوم ظروف مشابهة بالخطاب ذاته ضد حزب الله، الذي ولد من رحم ذلك الغزو. وقد أصبح هذا المفهوم رمزياً لدرجة أن حزب الله خصص له جزءاً في “متحف مليتا”، مستعرضاً حطام الآليات الإسرائيلية.
تعيد حكومة بنيامين نتنياهو البلاد إلى المربع الأول بهذا الغزو الخامس من نوعه، والذي يسوق كل مرة للجمهور الإسرائيلي على أنه “الجهد النهائي” لتأمين الحدود الشمالية.
ميدانياً، يوسع الجيش الإسرائيلي احتلاله للجنوب متجاوزاً نقاط تمركزه الخمس التي استحدثها في انتهاك لهدنة 2024. وقد قضى هذا التصعيد على طواقم صحفية وطبية ومزارعين، حيث وثقت وزارة الصحة اللبنانية مقتل 1189 شخصاً، بينهم 51 مسعفاً و124 طفلاً.
تحذر مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط، مها يحيى، من أن هذا الغزو سيفتح الباب أمام “عسكرة المنطقة” وزيادة البؤس. وتؤكد أن المضي في خيار القوة سيعزز “مبررات وجود حزب الله” ويخلق قوى مقاومة جديدة، في ظل انسداد الأفق الدبلوماسي ورفض إسرائيل لمبادرات بيروت للتفاوض.
إسرائيل التي غزت لبنان عام 1982 لإنهاء منظمة التحرير الفلسطينية، انتهت بخلق عدو أكثر شراسة هو حزب الله عام 2000، واليوم تعود لاستخدام ذريعة “المنطقة الأمنية” ذاتها.
أشار وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، إلى مخطط لاحتلال وتفريغ 10% من الأراضي اللبنانية الحدودية، بزعم إبعاد مقاتلي الحزب. ورغم وجود توجهات حكومية لبنانية رسمية ونبض شعبي يدفع باتجاه نزع السلاح وحصر قرار الحرب في يد الدولة، إلا أن هذا المخطط ينطوي على أجندة توسعية.
يتوقع المحلل الإسرائيلي، آفي يساخاروف، حرباً “طويلة ومضنية”، دون ضمانات بنزع سلاح الحزب. ورغم إقراره بأن حزب الله “أضعف بكثير” بعد عملية تفجيرات أجهزة النداء واللاسلكي واغتيال حسن نصر الله، فإنه يحذر من “الرضا الذاتي” الإسرائيلي، مؤكداً أن التنظيم لم يُدمَّر ولا يزال قادراً على إلحاق الخسائر بصفوف الجيش الإسرائيلي.
أجندة توسعية واحتمالات الصراع المستقبلي
تشير تقديرات استخباراتية إلى أن الحزب لا يزال يحتفظ بنحو 20% من قدراته الصاروخية، ما بين 20 و25 ألف صاروخ وألفي مسيرة، معتمداً استراتيجية اللامركزية والتحول إلى مجموعات صغيرة متحركة. تهدف هذه التكتيكات الحربية إلى “إغراق” القوات الغازية في المستنقع مجدداً.
تستعرض المقالة “المفارقة التاريخية”، حيث إن إسرائيل التي غزت لبنان عام 1982 لإنهاء منظمة التحرير، انتهت بخلق عدو أكثر شراسة هو حزب الله عام 2000. وتعود اليوم لاستخدام ذريعة “المنطقة الأمنية” ذاتها التي بررت بها سابقا حصار بيروت وارتكاب مجازر صبرا وشاتيلا عبر حلفائها المحليين.
يعزز الواقع المرير قناعة اللبنانيين بأن إسرائيل تملك “أجندة توسعية” تتجاوز غزة لتشمل لبنان وسوريا، وهو ما يمنح حزب الله “المنطق” للاحتفاظ بسلاحه. ويشير الكاتبان إلى “النموذج الغزي” كتحذير لما قد يحل بلبنان في حال التخلي عن المقاومة.
يبدو أن ما سيحدث مستقبلاً يعتمد على قدرة حزب الله على الصمود في وجه التصعيد الإسرائيلي، وإمكانية تفادي لبنان لسيناريو مشابه لما يحدث في غزة. تظل التطورات العسكرية والسياسية في المنطقة، بالإضافة إلى ردود الفعل الدولية، عوامل حاسمة في تحديد مسار الصراع.





