باب شرقي وحيّه.. حيث تبدأ دمشق ويُشرق المعنى

عندما تطأ قدماك أرض باب شرقي في دمشق، فإنك لا تسير عبر بوابة تاريخية فحسب، بل تخوض رحلة في أعماق الزمن، حيث تتراقص ذكريات العصور وتفوح روائح الماضي العريق. هذا الباب العتيق، الشاهد على حضارات متعاقبة، يمثل قلب دمشق النابض، ورمزًا للصمود والأمل في وجه التحديات.
باب شرقي، أحد أقدم أبواب دمشق السبعة، ليس مجرد معبر جغرافي، بل هو نقطة التقاء للثقافات والأديان، ومصدر إلهام للفنانين والمفكرين. يشهد الحي اليوم على تحديات كبيرة، تتطلب جهودًا متضافرة للحفاظ على هويته وتراثه العريق، وإعادة إحياء بريقه الذي خفت مع مرور السنين.
لمحة تاريخية عن باب شرقي
يعود تاريخ باب شرقي إلى العصر الروماني، حيث كان يُعرف بـ “باب الشمس” نظرًا لموقعه الذي يستقبل أشعة الشمس الأولى. حافظ الباب على أهميته عبر العصور، وشهد الفتوحات الإسلامية، وحملات الحروب الصليبية، وحكم المماليك والعثمانيين، ليظل شاهدًا على تاريخ دمشق العريق.
بعد الفتح الإسلامي، أصبح الباب نقطة دخول رئيسية للمسلمين إلى المدينة، واحتفظ باسمه العربي “باب شرقي” الذي يعكس موقعه الجغرافي. ظل الباب محطة مهمة على طريق الحج إلى مكة المكرمة، ومصدرًا للرزق والتجارة لسكان الحي.
أهمية باب شرقي الثقافية والاجتماعية
يتميز حي باب شرقي بتنوعه الثقافي والاجتماعي، حيث يتعايش فيه أتباع مختلف الأديان والطوائف، مثل المسلمين والمسيحيين من مختلف الطوائف. يعكس هذا التنوع الوجه الحقيقي لدمشق، المدينة التي لطالما كانت رمزًا للتسامح والتعايش السلمي.
يضم الحي العديد من المعالم التاريخية والدينية، مثل كنيسة حنانيا، التي يعتقد أنها بنيت على موقع منزل القديس حنانيا الذي تعمد فيه بولس الرسول. كما يشتهر الحي بأسواقه التقليدية، ومقاهيه الأدبية، ومطاعمه التي تقدم الأطباق الدمشقية الأصيلة.
التحديات التي تواجه باب شرقي
يواجه حي باب شرقي اليوم العديد من التحديات، التي تهدد هويته وتراثه العريق. تشمل هذه التحديات التدهور العمراني، والإهمال، والتغيرات الديموغرافية، وتراجع السياحة.
أدت الحرب في سوريا إلى تضرر بعض المباني التاريخية في الحي، وتهجير العديد من السكان الأصليين. كما أدى الإهمال إلى تدهور البنية التحتية، وتراكم القمامة، وانتشار التشوهات العمرانية.
بالإضافة إلى ذلك، أدى التغير الديموغرافي إلى فقدان الحي جزءًا من هويته الثقافية والاجتماعية. فقد غادر العديد من المسيحيين الحي، واستبدلوا بسكان جدد لا يعرفون تاريخه وتقاليده.
الحفاظ على التراث المعماري
يتطلب الحفاظ على التراث المعماري في باب شرقي تخصيص ميزانية كافية لترميم المباني التاريخية، وتوفير الدعم المالي لأصحاب المنازل التقليدية. كما يتطلب سن قوانين صارمة تمنع التعدي على المباني التاريخية، وتشجع على الحفاظ عليها.
دعم الحرف التقليدية
يعد دعم الحرف التقليدية في الحي جزءًا أساسيًا من الحفاظ على هويته الثقافية. يمكن تحقيق ذلك من خلال توفير التدريب والتأهيل للحرفيين، وتقديم الدعم المالي والتسويقي لمنتجاتهم.
تعزيز السياحة الثقافية
يمكن تعزيز السياحة الثقافية في الحي من خلال تطوير البنية التحتية السياحية، وتنظيم الفعاليات الثقافية، والترويج للحي كوجهة سياحية فريدة.
مستقبل باب شرقي
يتطلب مستقبل باب شرقي جهودًا متضافرة من جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك الحكومة المحلية، والمنظمات غير الحكومية، والمجتمع المدني، والسكان الأصليين. يجب وضع خطة شاملة لإعادة تأهيل الحي، والحفاظ على هويته وتراثه العريق.
من المتوقع أن تبدأ وزارة السياحة السورية في تنفيذ المرحلة الأولى من خطة ترميم الحي خلال الأشهر الستة القادمة، مع التركيز على ترميم المباني الأكثر تضررًا، وتحسين البنية التحتية. ومع ذلك، لا تزال هناك العديد من التحديات التي يجب التغلب عليها، مثل توفير التمويل الكافي، وضمان مشاركة السكان الأصليين في عملية الترميم.
يبقى مستقبل باب شرقي معلقًا بين الأمل والخوف، بين الصمود والتحدي. فالحفاظ على هذا الباب التاريخي ليس مجرد واجب وطني، بل هو مسؤولية إنسانية تجاه الأجيال القادمة.





