بريطانيا تبحث عن مخرج اقتصادي بين تعنت أميركا وتشدد الأوروبيين

لندن – منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تبحث الحكومات المتعاقبة عن حلول للأزمة الاقتصادية المتفاقمة. وتزايدت الدعوات مؤخراً من داخل الحكومة البريطانية لإعادة النظر في العلاقة التجارية مع أوروبا، والعودة إلى شكل من أشكال الاتحاد الجمركي لتخفيف آثار “بريكست” على الاقتصاد البريطاني. هذا التوجه يثير جدلاً واسعاً حول مستقبل السيادة الاقتصادية لبريطانيا وعلاقاتها الدولية.
وتواجه حكومة كير ستارمر ضغوطاً متزايدة من مختلف الأطراف، بما في ذلك نواب حزب العمال وقادة النقابات، لإعادة تقييم اتفاقية الخروج من الاتحاد الأوروبي. يرى هؤلاء أن العودة إلى الاتحاد الجمركي، أو على الأقل إبرام اتفاقية تجارية أكثر شمولاً مع الاتحاد الأوروبي، يمكن أن يساعد في استعادة النمو الاقتصادي وتعزيز التجارة والاستثمار.
مراجعة شاملة لـ “بريكست” في الأفق؟
أبدى رئيس الوزراء كير ستارمر حذراً في تعامله مع هذه الدعوات، مؤكداً على أهمية الحفاظ على الاستقلالية في صنع القرار الاقتصادي لبريطانيا. ومع ذلك، أشار إلى استعداده لبحث سبل تعزيز التعاون التجاري مع الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك النظر في اتفاقيات جديدة لتسهيل حركة البضائع والخدمات. ويركز ستارمر على إيجاد توازن بين الاستفادة من السوق الأوروبية الموحدة والحفاظ على القدرة على إبرام اتفاقيات تجارية مستقلة مع دول أخرى.
وتشمل هذه الاتفاقيات المستقلة المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة والهند، والتي تعتبرها الحكومة البريطانية حيوية لتنويع الشراكات التجارية وتعزيز النمو الاقتصادي على المدى الطويل. لكن تحقيق هذه الأهداف يتطلب جهوداً دبلوماسية مكثفة وتجاوز العديد من العقبات التجارية والسياسية.
تحديات أمام إعادة التفاوض مع الاتحاد الأوروبي
على الرغم من الرغبة البريطانية في تحسين العلاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي، إلا أن المفاوضات تواجه تحديات كبيرة. يصر الاتحاد الأوروبي على تطبيق قواعد صارمة بشأن معايير الغذاء والمنتجات الزراعية والكهرباء، بالإضافة إلى اشتراط مساهمة مالية بريطانية مقابل أي تسهيلات تجارية جديدة. هذه الشروط تتعارض مع مبادئ “بريكست” القائمة على استعادة السيطرة على القوانين والسياسات البريطانية.
بالإضافة إلى ذلك، تواجه الحكومة البريطانية انتقادات من أنصار “بريكست” الذين يرون أن أي تنازلات للاتحاد الأوروبي تمثل خيانة لمبادئ الخروج. هذا الانقسام الداخلي يزيد من صعوبة التوصل إلى اتفاق مقبول من جميع الأطراف.
الضغوط الأميركية وتأثيرها على خيارات بريطانيا
لا تقتصر التحديات التي تواجهها بريطانيا على المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي. تمارس الولايات المتحدة أيضاً ضغوطاً على الحكومة البريطانية لإلغاء الضريبة الرقمية المفروضة على شركات التكنولوجيا الأميركية، وهو ما يثير قلقاً بشأن السيادة الاقتصادية لبريطانيا. وتشير التقارير إلى أن الإدارة الأميركية قد تعلق استثماراتها في قطاع التكنولوجيا البريطاني إذا لم يتم إلغاء هذه الضريبة.
هذه الضغوط الأميركية تضع الحكومة البريطانية في موقف صعب، حيث يجب عليها الموازنة بين الحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة وتعزيز مصالحها الاقتصادية الخاصة. وتعتبر هذه القضية اختباراً حقيقياً لقدرة بريطانيا على التفاوض بفعالية في عالم يتسم بالتنافسية الشديدة.
مستقبل العلاقات التجارية لبريطانيا: سيناريوهات محتملة
في ظل هذه التحديات، من غير الواضح ما إذا كانت بريطانيا ستتمكن من التوصل إلى اتفاق جديد مع الاتحاد الأوروبي أو مع الولايات المتحدة. تشير التقديرات إلى أن المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي قد تستغرق عدة أشهر أو حتى سنوات، وأن النتائج النهائية ستعتمد على مدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات. أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن التوصل إلى اتفاق تجاري شامل يبدو بعيد المنال في الوقت الحالي، بسبب الخلافات حول معايير الغذاء والمنتجات الزراعية والضريبة الرقمية.
من المتوقع أن تشهد الأشهر القادمة مزيداً من المفاوضات والتشاور بين الحكومة البريطانية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وستكون هذه المفاوضات حاسمة لتحديد مستقبل العلاقات التجارية لبريطانيا وتأثيرها على الاقتصاد البريطاني. ويراقب المراقبون عن كثب تطورات هذه المفاوضات، ويتوقعون أن تشهد بريطانيا تحولات اقتصادية كبيرة في السنوات القادمة، سواء كانت إيجابية أم سلبية.
الخطوة التالية المتوقعة هي زيارة الملك تشارلز الثالث لواشنطن في أبريل المقبل، في محاولة لتعزيز العلاقات التجارية بين البلدين. وتعتبر هذه الزيارة فرصة مهمة للحكومة البريطانية لتقديم رؤيتها لمستقبل العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة، ومحاولة تجاوز العقبات التي تعيق التوصل إلى اتفاق تجاري شامل.





