تاريخ سكك حديد مصر.. مهندس بلجيكي يروي قصة “قطار الشرق الأول”

مر أكثر من 170 عامًا على بداية حقبة جديدة في تاريخ النقل المصري مع تسيير أول قطار سكك حديدية في عام 1854، مما يرسخ مكانة سكك حديد مصر كأحد أقدم وأهم أنظمة السكك الحديدية في العالم. شهد القطاع تطورات مستمرة على مر العقود، ويستمر في لعب دور حيوي في ربط مناطق البلاد المختلفة، ونقل الركاب والبضائع، ودعم الاقتصاد الوطني.
تعتبر مصر ثاني دولة في العالم تستخدم السكك الحديدية بعد بريطانيا، مما يعكس رؤية مبكرة لأهمية هذا المرفق. وقد أثارت التجربة المصرية اهتمام الباحثين والمؤرخين منذ البداية، الذين وثقوا مراحل تطور هذا القطاع وأهميته الاستراتيجية. ويشهد القطاع حالياً جهوداً مكثفة للتحديث والتطوير، بهدف تحسين كفاءة التشغيل وتقديم خدمات أفضل للمواطنين.
تاريخ طويل لتشييد سكك حديد مصر
يمكن تتبع أصول السكك الحديدية في مصر إلى منتصف القرن التاسع عشر، عندما أدرك الخديوي عباس الأول أهمية تطوير شبكة مواصلات حديثة. في عام 1851، تم توقيع أول عقد مع المهندس البريطاني روبرت ستيفنسون لإنشاء خط سكة حديد يربط بين القاهرة والإسكندرية. وقد استغرق بناء هذا الخط حوالي ثلاث سنوات، وافتتح في عام 1856، مما مثل بداية عهد السكك الحديدية في البلاد.
لم يقتصر الأمر على ذلك الخط، بل تبعته مشاريع أخرى لربط القاهرة بالمدن والمناطق الهامة الأخرى، مثل السويس وبورسعيد. في عام 1887، اكتمل بناء خط سكة حديد يربط القاهرة بصعيد مصر، مما أتاح نقل البضائع والركاب بين الشمال والجنوب بكفاءة أكبر.
دراسات مبكرة حول تجربة السكك الحديدية
اهتم العديد من الباحثين بتوثيق تاريخ السكك الحديدية في مصر. من بين هؤلاء، يبرز اسم ليونيل فينير، المهندس البلجيكي الذي قام بدراسة شاملة لتاريخ السكك الحديدية المصرية في بداية القرن العشرين. وقد ألّف فينير كتابًا مفصلاً بعنوان “تاريخ سكك حديد مصر“، والذي يعتبر مرجعًا هامًا للباحثين والمؤرخين المهتمين بهذا المجال.
أصدر المركز القومي للترجمة الكتاب في أكتوبر 2025، بعد ترجمته للعربية من قبل الدكتور حسن نصر الدين. ويقدم الكتاب وصفاً دقيقاً لتطور شبكة السكك الحديدية، والتحديات التي واجهت بنائها وتشغيلها، ومساهمة الحكام والمهندسين في نجاح هذا المشروع. ويغطي الكتاب جوانب فنية ومالية وإحصائية مفصلة، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من الصور والرسوم التوضيحية النادرة.
تطور الشبكة ومساهمات الحكام
يؤكد الكتاب أن تطوير السكك الحديدية في مصر لم يكن مجرد مشروع تقني، بل كان له أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية هامة. فقد أدرك محمد علي أهمية السكك الحديدية في تعزيز التجارة وتسهيل حركة الجيوش والموظفين الحكوميين. كما قام الخديوي عباس الأول بتقديم الدعم المالي والإداري اللازم لإنشاء وتشغيل أول خط سكة حديد في مصر. واستمر هذا الدعم في عهد الخديوي سعيد باشا الذي أشرف على استكمال شبكة السكك الحديدية الرئيسية.
بالإضافة إلى ذلك، يشير الكتاب إلى الدور الذي لعبته شركات السكك الحديدية الخاصة في تطوير هذا القطاع. فقد تم منح هذه الشركات امتيازات لإنشاء وتشغيل خطوط سكة حديد جديدة، مما أدى إلى زيادة الاستثمارات وتحسين جودة الخدمات. وتشمل هذه الشركات شركات السكك الحديدية الزراعية وشركات الضواحي وشركات التعدين.
مستقبل سكك حديد مصر
يشهد قطاع السكك الحديدية في مصر حالياً طفرة نوعية في مجال التحديث والتطوير. تتضمن هذه الجهود استبدال الأسطول القديم من القطارات بقطارات جديدة ومجهزة بأحدث التقنيات، وتطوير البنية التحتية للسكك الحديدية، وتحسين كفاءة التشغيل. كما يتم تنفيذ عدد من المشروعات الكبرى لإنشاء خطوط سكة حديد جديدة وربط المناطق المختلفة في البلاد. تشمل هذه المشاريع مشروع القطار الكهربائي السريع الذي يربط بين القاهرة والعديد من المدن الجديدة.
من المتوقع أن تستكمل هذه المشروعات في السنوات القادمة، مما سيساهم في تعزيز دور السكك الحديدية في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مصر. يبقى أمام القطاع تحديات عديدة، بما في ذلك تحديات التمويل والصيانة والتشغيل. ولكن مع استمرار الجهود المبذولة، يمكن لسكك حديد مصر أن تستعيد مكانتها كأحد أهم وأفضل أنظمة السكك الحديدية في المنطقة.





