ترامب الذي يريد إيقاف الحروب يشتعل العالم بين يديه

شهد النظام الدولي خلال السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا في طبيعة الصراعات وطرق إدارتها، حيث باتت النزاعات مستمرة دون حلول حاسمة. وفي هذا السياق، برز دور الولايات المتحدة، خاصة في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، كنموذج لتناقض القوة، إذ تمتلك واشنطن أدوات التأثير، لكنها تعجز عن تحقيق تسويات مستدامة، مما أدى إلى حالة من التعليق الدائم للصراعات العالمية. هذا التحول يثير تساؤلات حول مستقبل إدارة الصراع في عالم متعدد الأقطاب.
فقد وصل ترامب إلى السلطة متعهدًا بإنهاء “الحروب التي لا تنتهي” وتبني سياسة خارجية تركز على المصالح الأميركية المباشرة. لكن الأحداث التي تلت ذلك أظهرت نتائج مغايرة، حيث استمرت صراعات كبرى كالحرب في أوكرانيا، وتفاقمت أزمات مزمنة، وبرزت بؤر توتر جديدة، مما زاد من حالة عدم الاستقرار العالمية.
تأثير السياسات الأميركية على إدارة الصراع
لا يقتصر التناقض على الفجوة بين الخطاب والأفعال، بل يتعداه إلى تحول أعمق في وظيفة القوة الأميركية ذاتها. فالولايات المتحدة لم تعد قادرة على تحديد أهداف طويلة الأمد، أو تقديم رؤية واضحة للاستقرار، أو رسم نهاية محددة للصراعات التي تتدخل فيها.
وبدلاً من أن تكون القوة أداة للحسم أو تحقيق تسويات دائمة، تحولت إلى وسيلة لإدارة التوتر وتأخير الانهيار، دون معالجة الأسباب الجذرية للأزمات.
يتجلى هذا التحول في منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، حيث ساهمت السياسات الأميركية في تصعيد مستمر دون وجود مسار سياسي نهائي، سواء في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أو التوتر مع إيران، أو تداعيات الحروب في دول المنطقة.
هذه السياسات أدت إلى تعقيد المشهد الإقليمي وزيادة احتمالات اندلاع صراعات جديدة، مما يجعل الاستقرار الإقليمي هدفًا بعيد المنال.
الانسحاب والتأثيرات المترتبة عليه
لم يكن الانسحاب الأميركي من بعض المناطق حلاً للصراعات، بل أدى إلى تفاقمها. فالانسحاب غير المخطط له يخلق فراغًا تملؤه قوى أخرى، مما يؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع بصيغ جديدة.
هذا الأمر يتطلب دراسة متأنية للعواقب المحتملة قبل اتخاذ أي قرار بالانسحاب، وكذلك وضع خطة واضحة لتسليم المسؤولية إلى جهات موثوقة.
في الفضاء اللاتيني، أدت سياسات ترامب إلى زعزعة الاستقرار وتقويض أطر التعاون القائمة.
فالتشديد على العقوبات والتعامل الفج مع الحكومات المحلية أدى إلى تفاقم الأزمات الإنسانية والسياسية، وزيادة التدخلات الخارجية، مما يجعل المنطقة أكثر عرضة للصراعات.
منهجية “الضغط الأقصى”
أظهرت تجربة “الضغط الأقصى” التي اتبعتها إدارة ترامب مع دول مثل إيران أنها غير فعالة في تحقيق أهدافها.
هذه السياسة لم تغير سلوك هذه الدول، بل أدت إلى تصعيد التوتر وزيادة احتمالات المواجهة، مما يهدد الأمن الدولي.
لذلك، يجب على الولايات المتحدة تبني استراتيجية أكثر توازنًا وواقعية، تعتمد على الحوار والدبلوماسية والتعاون بدلاً من التهديد والعزل.
وفي أفريقيا، أدى تراجع الانخراط الأميركي إلى تفاقم الأزمات الأمنية والسياسية.
فالتخلي عن المسؤولية في منطقة تعاني من الصراعات والفقر والضعف المؤسسي أدى إلى انتشار الجماعات المسلحة وزيادة الانقلابات العسكرية، مما يهدد الاستقرار الإقليمي والدولي.
التحول في دور الولايات المتحدة
إن فشل الولايات المتحدة في إنهاء الحروب أو احتواء النزاعات ليس مجرد فشل سياسي، بل هو انعكاس لتحول بنيوي في دورها في النظام الدولي.
فالولايات المتحدة لم تعد قادرة على لعب دور القائد الوحيد، أو فرض رؤيتها على الآخرين، أو تحمل كلفة الاستقرار بمفردها.
هذا التحول يتطلب من الولايات المتحدة إعادة تعريف مصالحها وأهدافها، وتبني استراتيجية جديدة تعتمد على التعاون والشراكة بدلاً من الهيمنة والتدخل.
يجب على واشنطن أن تتعاون مع القوى الأخرى في النظام الدولي لإيجاد حلول مشتركة للتحديات العالمية، وأن تحترم سيادة الدول الأخرى وحقوقها في تقرير مصيرها.
إن إعادة بناء الثقة في القيادة الأميركية يتطلب أيضًا تغييرًا في الخطاب والسلوك.
يجب على الولايات المتحدة أن تتخلى عن ازدواجية المعايير وأن تلتزم بالقيم والمبادئ التي تدعي أنها تدافع عنها.
كما يجب عليها أن تستمع إلى آراء الآخرين وأن تأخذها بعين الاعتبار عند اتخاذ القرارات.
الوضع الحالي يشير إلى أن العالم يشهد مرحلة انتقالية نحو نظام دولي جديد، متعدد الأقطاب، حيث تتشارك فيه القوى المختلفة المسؤولية عن حفظ السلام والاستقرار.
هذا النظام الجديد يتطلب تعاونًا دوليًا وثيقًا، وتبني حلول مبتكرة للتحديات العالمية، وإعادة تعريف مفهوم إدارة الصراع بما يتناسب مع الواقع الجديد.
من المتوقع أن تستمر الولايات المتحدة في إعادة تقييم دورها في النظام الدولي خلال الأشهر والسنوات القادمة.
التركيز سينصب على تحديد أولويات المصالح الوطنية وتطوير استراتيجية خارجية متماسكة، مع الأخذ في الاعتبار التحديات المتزايدة والتغيرات في ميزان القوى.
مستقبل النظام الدولي يعتمد إلى حد كبير على قدرة الولايات المتحدة على التكيف مع هذا الواقع الجديد وإيجاد طريقة للعب دور بناء في عالم متغير.





