ثانوية عامة على حافة الانفجار.. “برشامة” يحول كابوس الامتحان إلى فوضى كوميدية

في موسم العيد، يتصدر فيلم “برشامة” شباك التذاكر، راهناً على كوميديا الثانوية العامة، بما تحمله من توتر وضغط ورغبة في إيجاد طرق مختصرة للنجاح. الفيلم، من إخراج خالد دياب وتأليف دياب وشيرين دياب وأحمد الزغبي، يضم نخبة من النجوم أبرزهم هشام ماجد، ريهام عبد الغفور، وباسم السمرة، في سباق كوميدي يعتمد على مواقف مألوفة لدى الجمهور.
تدور معظم أحداث الفيلم داخل لجنة امتحان اللغة العربية في الثانوية العامة، حيث تتصاعد الأحداث بشكل سريع بفعل تزاحم الشخصيات في مكان وزمان محددين. لا يعتمد الفيلم على حبكة معقدة، بل على الاحتكاك المباشر بين الطلاب ومسؤولي اللجنة، بالإضافة إلى قلق الأهالي خارج القاعة. هذا التكثيف يخلق كوميديا موقف سريعة تعتمد على ردود الفعل الفورية والتصادم بين أنماط شخصية متباينة.
يختار الفيلم تقديم بيئة ريفية مصرية، مما يمنح الشخصيات تفاصيل خاصة ولغة مميزة تؤثر في طبيعة العلاقات. هذا الاختيار يعكس توجهًا نحو التنويع الجغرافي في الكوميديا المصرية، مبتعدًا عن مركزية القاهرة لتقديم شخصيات أقل استهلاكًا ومواقف جديدة، مما يفتح الباب أمام مرونة أكبر لصناعة كوميديا مختلفة، وإن ظلت خفيفة وبسيطة.
لجنة امتحان تتحول إلى فوضى
تدور أحداث “برشامة” في مساحة زمنية ومكانية محدودة، حيث تقع غالبية المشاهد داخل لجنة امتحان اللغة العربية للثانوية العامة. هذا الحصر يضع الشخصيات تحت ضغط متزايد وشعور مباشر بالتوتر، مما يشكل أرضية خصبة للمواقف الكوميدية.
يعتمد الفيلم على تجميع عدد كبير من الشخصيات المتنوعة في مكان واحد. يتضمن ذلك طلابًا يحاول كل منهم التعامل مع الامتحان بطريقته الخاصة، ومسؤولين يسعون للحفاظ على النظام، بالإضافة إلى أهالٍ يقفون خارج اللجنة في حالة ترقب وقلق. هذا التنوع في الخلفيات ودوافع الشخصيات يساهم في توليد كوميديا الموقف.
تنشأ الكوميديا بشكل أساسي من الاحتكاك المباشر بين الشخصيات المختلفة، بدلاً من الاعتماد على بناء درامي متدرج أو مفارقات معقدة. تتميز كوميديا الفيلم بالطبيعة السريعة وردود الفعل الفورية، بالإضافة إلى التضارب الواضح بين أنماط الشخصيات المتباينة.
اختيار صناع الفيلم أن تدور الأحداث في قرية مصرية يمنح العمل خصوصية واضحة من حيث تجسيد الشخصيات ولغتها وتفاصيلها اليومية. هذه البيئة الريفية ليست مجرد خلفية، بل تتفاعل مع تكوين الشخصيات وتشكل العلاقات فيما بينها، مما يذكر بفيلم “السادة الأفاضل” من حيث التكثيف الزماني وزحام الشخصيات.
يعكس هذا التوجه السينمائي اهتمامًا متزايدًا لدى بعض صناع الأفلام بالابتعاد عن القالب القاهري المعتاد، خاصة في أعمال الكوميديا. هذا التنويع الجغرافي يفتح الباب أمام شخصيات جديدة وغير مستهلكة، مما يوفر مادة أغنى لإنتاج مواقف كوميدية مبتكرة، على عكس الكوميديا المرتبطة بالبيئة القاهرية التي استُنفدت إلى حد كبير.
كوميديا جماعية بلا بطل أوحد
“برشامة” يتخلى عن فكرة البطل الكوميدي الأوحد، حيث يتوزع ثقل البطولة على عدد من الشخصيات. يقدم هشام ماجد شخصية عبد الحميد، الأكثر اتزانًا وهدوءًا، كنقطة ثابتة وسط فوضى الرغبة في الغش المحيطة به، مما يمنحه مساحة مختلفة ويفتح المجال أمام الممثلين الآخرين لتقديم أدوار قيادية في الجانب الكوميدي.
يبرز أداء حاتم صلاح في دور سجين، والذي يعتبر من أبرز مصادر الضحك في الفيلم. تأتي طرافة الشخصية من وجودها غير المتوقع في هذا السياق، وما ينتج عنه من مواقف غير تقليدية. كذلك، قدمت عارفة عبد الرسول شخصية خارجة عن المألوف، حيث كسرت الصورة النمطية للمرأة المسنة وحولتها إلى عنصر مفاجئ ومضحك في الأحداث.
يقدم مصطفى غريب شخصية شاب محدود الذكاء، بينما يجسد باسم السمرة شخصية الأب العمدة الذي يحاول مساعدة ابنه بكل الطرق. هذا التوزيع الجماعي لمصادر الضحك يجعل الفيلم أقرب إلى كوميديا الموقف الجماعي، وإن كان قد يفتقد لمركزية واضحة يتوقعها بعض المشاهدين.
يمنح توزيع البطولة شخصيات متعددة تنوعًا في الإيقاع ويخفف الاعتماد على ممثل واحد، مما يعزز طابع الكوميديا الجماعية. ومع ذلك، قد يشعر البعض بغياب مركز درامي واضح، خاصة من ينتظرون ظهورًا أقوى لهشام ماجد.
مبالغة تصنع الكوميديا
يتناول فيلم “برشامة” واحدة من أكثر المراحل حساسيتها في المجتمع المصري، وهي الثانوية العامة، والتي تُعد اختبارًا مصيريًا يحدد مسار الحياة. هذه المرحلة الغنية بالتوتر والقلق، تتحول بسهولة إلى مادة درامية وكوميدية.
يوسع الفيلم دائرة المراهقين ليشمل فئات عمرية واجتماعية مختلفة من خلال شخصيات لجنة “المنازل”، المخصصة للطلاب غير النظاميين، مما يضيف طبقات جديدة للمواقف الكوميدية.
يعتمد الفيلم على دفع شخصياته إلى أقصى درجات المبالغة في التصرفات وردود الأفعال لتوليد الكوميديا. هذه المبالغة ليست عيبًا في البناء، بل أداة أساسية لصناعة الضحك، حيث تتكثف ضغوط للامتحان وتتحول إلى مواقف أقرب إلى الكاريكاتير، مع بقاء جذورها متصلة بالواقع.
في الختام، لا يحاول “برشامة” أن يكون أكثر مما هو عليه: فيلم كوميدي خفيف يستغل فكرة قريبة من الجمهور ويقدمها بإيقاع سريع وشخصيات متنوعة. يتجنب الفيلم الوقوع في فخ الكوميديا المستهلكة، ويقدم تجربة مسلية تناسب أجواء العيد مع لمسة من التجريب في حصر الأحداث وتوزيع البطولة.
من المتوقع أن يستمر “برشامة” في المنافسة على شباك التذاكر خلال موسم العيد، مع ترقب لفهم مدى استمرارية نجاحه في جذب الجمهور مقارنة بالأعمال الأخرى. تظل التحديات المستقبلية حول قدرة الأفلام الكوميدية على الحفاظ على هذا الزخم وتقديم أفكار جديدة.





