جسر داقوق.. تراث عثماني صامد لقرن ونصف في العراق

في قضاء داقوق التابع لمحافظة كركوك شمال العراق، يواصل الجسر العثماني التاريخي أداء وظيفته الحيوية متحديًا مرور أكثر من قرن من الزمن وتقلبات الطبيعة. هذا الصرح المعماري يقف شاهدًا على متانة البناء العثماني وأهميته في ربط المناطق والجغرافيات المختلفة، مساهمًا في الحفاظ على الهوية الثقافية للمنطقة.
يُعرف الجسر محليًا باسم الجسر العثماني في داقوق، ويمتد فوق نهر داقوق. لطالما كان معبرًا هامًا للقوافل التجارية التي كانت تربط شمال العراق ببغداد والمناطق الجنوبية، ويوفر حتى اليوم طريقًا أساسيًا للمواصلات المحلية. وعلى الرغم من التحديات المناخية والفيضانات المتكررة، حافظ الجسر على هيكله الأصلي وقدرته على الخدمة.
الجسر العثماني: صمود تاريخي في وجه الفيضانات
أظهر الجسر العثماني قدرة فائقة على الصمود خلال موجة الأمطار الغزيرة والفيضانات التي شهدها العراق في ديسمبر الماضي. في حين تضررت العديد من البنى التحتية والمباني في محافظة كركوك، ظل الجسر العثماني صامدًا، مما لفت انتباه السكان المحليين والباحثين في مجال التراث. وقد أثار هذا الصمود تساؤلات حول التقنيات الهندسية المستخدمة في بنائه.
إرث معماري فريد
مدير الآثار في محافظة كركوك، رائد عكلة، أكد أن الجسر العثماني يعتبر من أبرز المعالم التاريخية في المحافظة. وأوضح أن عمر الجسر يتجاوز 142 عامًا، وأنه لا يزال يستخدم في حركة المرور اليومية بشكل طبيعي.
وأضاف عكلة أن الفيضانات الأخيرة سلطت الضوء على متانة هذا الصرح التاريخي، مؤكدًا أنه لم يتعرض لأي أضرار كبيرة، وهو ما يختلف عن بعض المنشآت الحديثة التي تضررت. يشير هذا إلى جودة المواد والتقنيات المستخدمة في بناء الجسر.
تقنيات بناء متينة
وبحسب عكلة، هناك توجه من قبل السلطات المحلية والحكومة المركزية للاهتمام بشكل خاص بهذا المعلم التاريخي. يتضمن ذلك تخصيص ميزانية للصيانة والحماية، بالإضافة إلى دراسة إمكانية إدراجه ضمن المسارات السياحية في المنطقة، نظرًا لقيمته التاريخية والمعمارية العالية. هذه الخطوة تهدف إلى تعزيز السياحة الثقافية في كركوك.
عبقرية البناء العثماني
يرى الباحث والكاتب العراقي من كركوك، نجات كوثر أوغلو، أن الجسر العثماني يمثل “نموذجًا واضحًا لعبقرية البناء العثماني في العراق”. وأشار إلى أنه من بين مئات الشواهد العمرانية التي تركتها الدولة العثمانية في البلاد.
وأضاف كوثر أوغلو أن الجسر تم تشييده في عهد مدحت باشا، والي بغداد العثماني، وأن حجر الأساس وُضع في أوائل سبعينيات القرن التاسع عشر، واكتمل بناؤه في 1883 .
وأوضح أن المواد المستخدمة، وخاصة الحجارة، خضعت لعمليات معالجة خاصة، بما في ذلك حرقها لزيادة صلابتها وقدرتها على مقاومة العوامل الطبيعية. تساهم هذه التقنيات التقليدية في إطالة عمر الجسر.
رمزية هندسية في التصميم
لا تقتصر أهمية الجسر على متانته، بل تتجلى أيضًا في رمزيته الهندسية. فهو يتكون من 12 قوسًا، وهو ما يرمز إلى أشهر السنة، ويبلغ طوله حوالي 365 مترًا، وهو ما يشير إلى عدد أيام السنة. بالإضافة إلى ذلك، يبلغ عرض الجسر 7 أمتار، في دلالة على أيام الأسبوع، وفقًا لما أوضحه الباحث كوثر أوغلو. هذه التفاصيل تعكس دقة المهندسين العثمانيين.
وأضاف كوثر أوغلو أن بناء الجسر تم بإشراف مهندسين عثمانيين من إسطنبول، وبمشاركة بنائين محليين من كركوك، مما يظهر التمازج بين الخبرات المحلية والمركزية في تنفيذ هذا المشروع المهم.
الخطوات القادمة والمستقبل
مع تزايد الاهتمام بالجسر العثماني في داقوق، من المتوقع أن يتم إعداد خطة متكاملة لصيانته وترميمه خلال الأشهر القليلة القادمة. تتضمن هذه الخطة إجراء دراسة فنية لتقييم حالة الجسر بشكل دقيق، وتحديد الإجراءات اللازمة للحفاظ عليه. وينتظر متابعة التطورات المتعلقة بالميزانية المخصصة للمشروع والجدول الزمني المتوقع للبدء في أعمال الصيانة، مع الأخذ في الاعتبار التحديات اللوجستية المحتملة. الجسر يمثل جزءًا حيويًا من التراث العراقي، ويستحق كل الاهتمام للحفاظ عليه للأجيال القادمة.





