حارب الاستعمار ثم تفرغ للبحث.. وفاة المؤرخ الجزائري محمد حربي

توفي المؤرخ الجزائري البارز محمد حربي، عن عمر يناهز 93 عامًا، في العاصمة الفرنسية باريس يوم الجمعة. يمثل رحيل حربي خسارة كبيرة للحركة الفكرية والتاريخية في الجزائر والعالم العربي، حيث كرّس حياته للبحث والكتابة عن تاريخ الجزائر، وخاصة فترة الاستعمار والنضال من أجله. وقد أعلنت وكالة الأنباء الجزائرية الخبر، مشيرة إلى مسيرة أكاديمية وسياسية حافلة بالدفاع عن قضايا وطنه.
وأفادت الوكالة بأن حربي توفي مساء الخميس بعد صراع مع التهاب رئوي. وقد نعاه العديد من المؤرخين والباحثين الجزائريين، من بينهم صديقه المؤرخ علي قنون الذي نشر خبر الوفاة على موقعه الإلكتروني. كما أصدر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بيان تعزية، مشيدًا بمناقب الفقيد ودوره في النضال الوطني.
نضال محمد حربي في خدمة تاريخ الجزائر
ولد محمد حربي في 16 يونيو 1933 في مدينة سكيكدة بالجزائر الشرقية. انخرط في النضال الوطني ضد الاستعمار الفرنسي في سن مبكرة، حيث شارك في الحركة الوطنية قبل أن يلتحق بصفوف جبهة التحرير الوطني. وقد لعب دورًا هامًا في المفاوضات التي أدت إلى اتفاقيات إيفيان واستقلال الجزائر عام 1962.
بعد الاستقلال، شغل حربي مناصب مختلفة في الدولة، بما في ذلك العمل في ديوان الرئيس أحمد بن بلة. ومع ذلك، سرعان ما تحول إلى معارض لسياسات الرئيس هواري بومدين، مما أدى إلى اعتقاله وسجنه لفترة من الزمن. هذه الفترة من حياته أثرت بشكل كبير على رؤيته السياسية والتاريخية.
المنفى والإنتاج الأكاديمي
في عام 1973، غادر حربي الجزائر إلى فرنسا، حيث استقر وتفرغ للتدريس والبحث الأكاديمي في الجامعات الفرنسية. ركز في أبحاثه على الحركة الوطنية الجزائرية وثورة التحرير، وقدم مساهمات قيمة في فهم هذه الفترة الحاسمة من تاريخ الجزائر.
ومن أبرز مؤلفاته مذكراته “حياة صمود” التي نشرت في عام 2001، والتي تتناول تجربته الشخصية في النضال من أجل الاستقلال. بالإضافة إلى ذلك، شارك في تأليف كتاب “تاريخ الجزائر” مع المؤرخ الفرنسي بنجامين ستور، وهو عمل يهدف إلى تقديم رؤية شاملة ومتوازنة لتاريخ الجزائر. كما أثار كتابه “جبهة التحرير الوطني، السراب والواقع” جدلاً واسعاً عند صدوره في عام 1980 بسبب تحليله النقدي للجبهة.
تميز أسلوب حربي في الكتابة بالدقة والعمق والتحليل الموضوعي. كان يسعى دائمًا إلى تقديم رؤية تاريخية مبنية على الأدلة والوثائق، وبعيدة عن التحيزات السياسية أو الأيديولوجية. وهذا ما أكسبه احترامًا كبيرًا في الأوساط الأكاديمية والثقافية.
علاوة على ذلك، فقد اهتم حربي بتعزيز الحوار بين المؤرخين الجزائريين والفرنسيين حول فترة الاستعمار، مؤمنًا بأهمية المصالحة التاريخية لبناء مستقبل أفضل للعلاقات بين البلدين. ويرى مراقبون أن هذا الجهد ساهم في فتح الباب أمام المزيد من الأبحاث والدراسات حول هذه الفترة الحساسة من التاريخ.
الإرث والتأثير
إن وفاة محمد حربي تمثل خسارة فادحة للتراث الثقافي الجزائري. ترك خلفه إرثًا غنيًا من المؤلفات والأبحاث التي ستظل مصدر إلهام للأجيال القادمة من المؤرخين والباحثين. وسيظل اسمه محفورًا في ذاكرة الأمة الجزائرية كواحد من أبرز المناضلين والمفكرين الذين كرسوا حياتهم لخدمة وطنهم.
من المتوقع أن تشهد الجزائر العديد من الفعاليات لتأبين حربي خلال الأيام القادمة، تكريمًا لمسيرته النضالية والفكرية. وسيتولى المجتمع المدني والمؤسسات الثقافية مهمة الحفاظ على إرثه وتعزيزه. في الوقت ذاته، يبقى التحدي قائمًا في مواجهة التحديات التي تواجه البحث التاريخي في الجزائر، بما في ذلك الوصول إلى الوثائق الأرشيفية والتحرر من القيود السياسية.
وسيشكل رحيله حافزًا إضافيًا للباحثين والدارسين لمواصلة العمل في حفظ التراث الجزائري واستكمال الأبحاث المتعلقة بـالحرب الجزائرية وفترة الاستعمار الفرنسي، وذلك لتقديم صورة أكثر اكتمالًا ودقة لتاريخ هذا البلد.





