خريطة سينمائية سياسية.. افتتاح أفغاني لمهرجان برلين السينمائي

يكشف اختيار فيلم “لا رجال صالحون” (No Good Men) للمخرجة الأفغانية شهربانو سادات كفيلم افتتاحي لمهرجان برلين السينمائي الدولي لعام 2026 عن توجه واضح في السينما العربية نحو استكشاف قضايا معقدة ومثيرة للجدل. يتزامن هذا الاختيار مع برنامج شامل يضم أعمالًا من إيران والشرق الأوسط وأوروبا الشرقية، مما يعكس التزام المهرجان بتسليط الضوء على التوترات السياسية والاجتماعية العالمية.
ويؤكد هذا التوجه على الدور المتزايد للأفلام المستقلة في المنطقة في معالجة قضايا الهوية، والصراع، والتغيير الاجتماعي. ويشير خبراء الصناعة إلى أن هذا الاختيار يعكس أيضًا رغبة المهرجان في تقديم أفلام وثائقية وقصصية تتجاوز الروايات التقليدية، وتقدم وجهات نظر جديدة حول التحديات التي تواجه المجتمعات المختلفة.
اتجاهات جديدة في مهرجان برلين السينمائي الدولي
لا يقتصر تأثير اختيار فيلم “لا رجال صالحون” على إبراز السينما الأفغانية فحسب، بل يمتد ليشمل التأكيد على أهمية دعم المخرجين المستقلين من جميع أنحاء العالم. وتشير التقارير إلى أن إدارة المهرجان قد أولت اهتمامًا خاصًا للأفلام التي تتناول قضايا حقوق المرأة، والعدالة الاجتماعية، والتأثيرات المدمرة للصراعات المسلحة.
ويتناول الفيلم، الذي شاركت في إنتاجه ألمانيا وفرنسا والنرويج والدنمارك وأفغانستان، تفاصيل الحياة اليومية في البلاد تحت وطأة الضغوط، من خلال مجموعة شخصيات تخوض غمار واقع اجتماعي قاس في كابول، حيث تتكشف العلاقات الشخصية وسط أجواء عامة خانقة. ويركز السرد على الروابط الأسرية، والخوف، والانتظار، والتردد العاطفي، والرغبة في البقاء. ومن خلال تجنب الأحداث التاريخية المباشرة ورصد أثرها النفسي، يقدم الفيلم أفغانستان من الداخل وتجربة الحياة فيها.
قصة الفيلم ورؤيته
تدور أحداث “لا رجال صالحون” حول نارو، وهي فتاة تبلغ من العمر 25 عاما، تعمل مصورة في برنامج طبخ تلفزيوني، وتكن عداء عاما للرجال بعد أن خانها زوجها. تعيش نارو مع ابنها البالغ من العمر ثلاث سنوات في شقة والديها المكونة من غرفة واحدة في كابول. ومع انتقالها إلى قسم الأخبار، تلتقي بـ”قدرت”، رجل في الخمسين من عمره، متزوج ولديه أربعة أطفال، وتقع في حبه. غير أن السؤال الذي يطرحه الفيلم يبقى معلقا: هل تكتشف لاحقا أنه نسخة أخرى من زوجها السابق، أم أن هناك بالفعل رجالا صالحين؟
ويعد فيلم الافتتاح بمثابة بيان، إذ يحدد توجهات الدورة بالكامل، ثقافيا وفنيا وسياسيا أيضا. وقد ركزت رسائل المهرجان حول الفيلم على واقع الحياة في أفغانستان والمخاطر التي ينطوي عليها إنتاج العمل من الداخل.
ويتردد صدى هذا التوجه السياسي في عناوين أخرى أعلن عنها هذا الأسبوع في أقسام مهرجان برلين، حيث تشترك الأفلام في اهتمامات متكررة، كالمنفى والسلطة والمراقبة. فيلم “عند البحر” (At the Sea) للمخرج كورنيل موندروتشو يحلل هشاشة النفس داخل السلطة، بينما يستكشف “فجر جديد” (A New Dawn) للمخرج يوشيتوشي شينوميا سرديات عابرة للثقافات.
ويوسع فيلم “صوت منخفض” (A Voix Basse) للمخرجة ليلي بوزيد، وفيلم “داو” (Dao) النطاق الجغرافي ليشمل شمال وغرب أفريقيا، في اهتمام فرنسي خاص بصناعة الأفلام عن مستعمراتها السابقة. بدلًا من تجميع هذه الأفلام تحت راية سياسية واحدة، يرسم مهرجان برلين خريطة لعالم تتشكل فيه السياسة من خلال الشكل، وعلم نفس الشخصيات، والقيود المعيشية.
تأثير الاختيارات على صناعة السينما
يعكس اختيار فيلم “لا رجال صالحون” التزام مهرجان برلين بدعم الإنتاج السينمائي المستقل في المناطق التي تشهد صراعات. ويشير المحللون إلى أن هذا التوجه قد يشجع المزيد من المخرجين من هذه المناطق على تقديم أعمالهم للمهرجان، مما يساهم في تنوع المشهد السينمائي العالمي.
وتشير التوقعات إلى أن الدورة القادمة من مهرجان برلين ستشهد زيادة في عدد الأفلام التي تتناول قضايا الهجرة، واللاجئين، والتطرف. ومن المتوقع أيضًا أن يركز المهرجان على الأفلام التي تستخدم التكنولوجيا الجديدة لتقديم قصص مبتكرة ومؤثرة.
في الختام، يمثل اختيار فيلم “لا رجال صالحون” بداية واعدة لدورة جديدة من مهرجان برلين السينمائي الدولي، مع التأكيد على أهمية دعم السينما المستقلة وتسليط الضوء على القضايا العالمية الملحة. يبقى أن نرى كيف ستتطور هذه التوجهات خلال الدورة القادمة، وما هي المفاجآت التي ستكشف عنها إدارة المهرجان في المستقبل القريب. ومن المتوقع الإعلان عن قائمة الأفلام المشاركة بشكل كامل في غضون الشهر القادم.





