ذاكرة تعود من جبهات القتال.. السودان يسترد مئات القطع الأثرية المنهوبة

أعلنت الحكومة السودانية عن استعادة حوالي 570 قطعة أثرية كانت قد نُهبت خلال الأشهر الأخيرة من الحرب الدائرة في البلاد. جاء هذا الإعلان خلال مؤتمر صحفي عقده وكيل وزارة الثقافة والإعلام والسياحة، جراهام عبد القادر، في مدينة بورتسودان، مؤكداً على الجهود المبذولة لاستعادة الآثار السودانية وحماية التراث الوطني. وتعتبر هذه الخطوة بمثابة دفعة مهمة للحفاظ على الهوية الثقافية للسودان في ظل الظروف الأمنية الصعبة.
الآثار المنهوبة: حجم الخسائر والعمليات الاستعادية
أشار وكيل الوزارة إلى أن الحرب أدت إلى توقف عمل 40 بعثة أجنبية كانت تعمل في مجال التنقيب عن الآثار في السودان. وقد تعرضت العديد من المواقع والمتاحف للنهب والتخريب، مما ألحق أضراراً جسيمة بالتراث السوداني. وتشير التقديرات الأولية إلى أن الخسائر تجاوزت 110 مليون دولار، مع فقدان أو تضرر آلاف القطع الأثرية.
ووفقاً للمعلومات التي قدمتها الحكومة، فقد فُقدت 86 قطعة من متحف ولاية الجزيرة، بينما تعرض متحف بيت الخليفة لنهب حوالي 200 قطعة. أما المتحف القومي في الخرطوم، فقد تعرض لعمليات نهب واسعة النطاق طالت صالة العرض والغرفة الخرسانية، مما أدى إلى فقدان ما يقرب من 4 آلاف قطعة أثرية.
اتهامات لـ “الدعم السريع”
من جانبه، اتهم نائب مدير جهاز المخابرات العامة السوداني، عباس محمد بخيت، قوات الدعم السريع بارتكاب جريمة كبرى ضد السودان وتراثه من خلال نهب وتهريب الآثار السودانية. وأكد بخيت أن الجهاز قام بتنفيذ عملية أمنية معقدة أسفرت عن إحباط عمليات تهريب واستعادة عدد كبير من القطع الأثرية التي نُهبت من المتحف القومي.
جهود اليونسكو والمجتمع الدولي
تأتي هذه الجهود بالتزامن مع دعم دولي، حيث أشارت وزارة الثقافة والإعلام والسياحة إلى التعاون مع منظمة اليونسكو لاستعادة الآثار المنهوبة. أكد مدير مكتب اليونسكو بالسودان، أحمد جنيد سروش، على أن المنظمة قدمت دعماً للحكومة السودانية في جرد القطع الأثرية وتحديد المفقودات، بالإضافة إلى توفير التدريب والمعدات اللازمة لعمليات الاستعادة. وتشمل هذه الجهود تدريب 400 خبير سوداني في مجال حماية الآثار ومكافحة الإتجار غير المشروع بها.
تأثير الحرب على التراث الثقافي
تعتبر هذه الخسائر في التراث الثقافي ضربة قوية للسودان، الذي يمتلك تاريخاً غنياً وآثاراً تعود إلى عصور ما قبل التاريخ والممالك الكوشية والمروية. وتشمل الآثار المستعادة تماثيل جنائزية، وقطع فخارية، ومقتنيات أخرى تعود إلى فترات تاريخية مختلفة.
وبحسب خبراء الآثار، فإن الآثار التي تم استردادها تمثل جزءاً صغيراً من التراث السوداني الذي تعرض للنهب والتخريب. وتشير التقديرات إلى أن هناك الآلاف من القطع الأثرية التي لا تزال مفقودة أو في طريقها إلى التهريب خارج البلاد.
الخطوات المستقبلية
أكد وزير المالية السوداني، جبريل إبراهيم، على أهمية استعادة الآثار المنهوبة باعتبارها جزءاً من الهوية الوطنية والتاريخ السوداني. ودعا إلى إطلاق حملة توعية لتعزيز دور المواطنين في حماية التراث الثقافي والإبلاغ عن أي نشاط مشبوه. كما نادى بجمع الآثار المنهوبة من جميع أنحاء السودان وتلقي المساعدة من المنظمات الدولية ودول الجوار لاستعادة الآثار التي تم تهريبها خارج البلاد.
من المتوقع أن تستمر الحكومة السودانية في جهودها لاستعادة الآثار السودانية المنهوبة، مع التركيز على تعزيز التعاون مع المجتمع الدولي وتوفير الحماية اللازمة للمواقع والمتاحف. وتعتبر عمليات الجرد الشاملة للمقتنيات الأثرية وتوثيقها خطوة أساسية لتحديد حجم الخسائر وتسهيل عمليات الاستعادة. وستظل قضية حماية التراث الثقافي السوداني على رأس أولويات الحكومة والمجتمع المدني في الفترة القادمة، خاصة مع استمرار التحديات الأمنية والسياسية.
وفي الوقت الحالي، لا تزال هناك صعوبات في الوصول إلى بعض المواقع الأثرية المتضررة بسبب الاشتباكات المستمرة. وستعتمد نجاح جهود الاستعادة على تحقيق الاستقرار الأمني وتوفير الموارد اللازمة لتنفيذ هذه العمليات.





