رواندا تدخل السباق العالمي لتصدير المعادن الإستراتيجية

تشهد رواندا تحولاً ملحوظاً في قطاعها المعدني، حيث أصبحت مورداً رئيسياً للتنغستن، المعدن الحيوي المستخدم في مجموعة واسعة من الصناعات بما في ذلك الدفاع والتكنولوجيا. وتسعى الدولة الواقعة في شرق أفريقيا إلى إعادة تشكيل صورتها في أسواق التعدين العالمية من خلال زيادة إنتاجها من هذا المعدن الاستراتيجي، مع مواجهة تحديات تتعلق بمصدر المعادن والاعتبارات الجيوسياسية.
تقع مناجم التنغستن في منطقة نياكابينغو بشمال رواندا، وقد شهدت زيادة كبيرة في الإنتاج في السنوات الأخيرة. فقد ضاعف منجم نياكابينغو، الذي تديره مجموعة “ترينيتي ميتالز”، إنتاجه ثلاث مرات خلال عامين، ليصبح حالياً أكبر مصدر للتنغستن في أفريقيا، ويُنتج أكثر من 1200 طن سنوياً من المركّزات عالية الجودة.
أهمية التنغستن في سلاسل التوريد العالمية
تكتسب رواندا أهمية متزايدة في سلاسل التوريد العالمية للتنغستن، وذلك بفضل زيادة إنتاجها وجهودها لتحسين ممارسات التعدين. يُستخدم التنغستن على نطاق واسع في صناعة الدفاع والتكنولوجيا، نظراً لكثافته العالية وموصلية الكهرباء ونقطة انصهاره المرتفعة، مما يجعله مكوناً أساسياً في تصنيع القنابل والرصاص والأجهزة الإلكترونية المتقدمة.
وفي سبتمبر الماضي، أرسلت شركة “ترينيتي ميتالز” أول شحنة بموجب عقد طويل الأجل إلى شركة “غلوبال تنغستن أند باودر” في الولايات المتحدة. وتُعد هذه الخطوة بشكل رمزي، تلبيةً لرغبة الولايات المتحدة في تقليل الاعتماد على الصين، التي تسيطر على أكثر من 80% من سوق التنغستن العالمي.
ويقول شون ماكورميك، رئيس مجلس إدارة “ترينيتي ميتالز” إن رواندا أصبحت جزءًا مباشرًا من سلسلة الإمداد الدفاعية الأمريكية. كما أشار إلى أن القيود الصينية المفروضة على صادرات التنغستن في وقت سابق من عام 2025، زادت من شعور واشنطن وأوروبا بالحاجة إلى إيجاد مصادر بديلة.
تحديات إثبات مصدر المعادن
تواجه رواندا تحديات كبيرة تتعلق بإثبات مصدر معادن التنغستن الخاصة بها. هناك مخاوف من أن بعض الخامات قد تكون ملوثة بخامات قادمة من شرق الكونغو الديمقراطية، حيث يمرّ إنتاج المعادن من خلال مناطق تشهد نزاعات مسلحة. ويدعو المراقبون إلى تطبيق أفضل ممارسات سلسلة التوريد.
وتعمل الشركات العاملة في رواندا بشكل وثيق مع المنظمات الدولية والجهات الحكومية لتطبيق أنظمة تتبع صارمة للتحقق من مصدر المعادن. في مناجم “ترينيتي ميتالز”، يتم تطبيق نظام “الأنبوب المغلق”، حيث يتم تتبع كل كيس من الخام من المنجم إلى المستخدم النهائي، لضمان عدم تداول معادن النزاعات.
لكن بالرغم من تلك الإجراءات, تشير تقارير إلى زيادة صادرات التنتالوم من رواندا في الفترة الأخيرة، بالتزامن مع توسع سيطرة المتمردين على مناجم الكونغو. وقد أدت هذه التقارير إلى مطالبات من بعض الشركات، مثل “آبل”، بوقف شراء التنتالوم من رواندا والكونغو بشكل مؤقت.
طموحات رواندا للتحول إلى مركز إقليمي لتجهيز المعادن
تسعى رواندا إلى تطوير قطاعها المعدني ليصبح مركزًا إقليميًا لمعالجة المعادن، مما سيسهم في خلق قيمة مضافة محلية وتعزيز التصنيع. تخطط الحكومة الرواندية لاستقطاب المزيد من الاستثمارات في هذا المجال، وتقديم حوافز للشركات التي تنشئ مصانع لمعالجة المعادن داخل البلاد.
وقد بدأت بعض المشاريع بالفعل في التحقق على أرض الواقع، حيث قامت شركة بولندية بإنشاء مصهر للقصدير، فيما افتتحت شركة بريطانية أول مصفاة للتنتالوم في أفريقيا. وتسعى شركة “ترينيتي ميتالز” حالياً إلى جمع 60 مليون دولار لإنشاء مصنع متكامل لمعالجة التنغستن.
ويتوقع مسؤولون ومستثمرون أن مبادرة السلام المدعومة أمريكياً في منطقة البحيرات العظمى، قد تؤدي إلى تنظيم التجارة العابرة للحدود في المعادن، مما سيتيح تقاسم العوائد بشكل عادل بين رواندا والكونغو. كما يعتقدون أن ذلك يمكن أن يساهم في تعزيز الاستقرار والتنمية في المنطقة.
تشير التوقعات إلى أن رواندا ستواصل جهودها لتطوير قطاع التعدين، وتحسين ممارسات سلسلة التوريد. وسيظل التركيز على إثبات مصدر المعادن، وضمان عدم تداول معادن النزاعات. المرحلة القادمة، ستعتمد على نتائج مبادرة السلام في المنطقة، وقدرة رواندا على جذب المزيد من الاستثمارات في مجال تجهيز المعادن، وستلقي الأضواء على المساعي الرامية لنصبح رواندا مركزاً إقليمياً مهماً لهذا القطاع.





