صدمة الشارع وتناقضات الموقف السياسي في ظل تصريحات ترمب الأخيرة
دخل العالم في حالة من الذهول والترقب مع مطلع عام 2026، حيث تصدرت تصريحات ترمب المشهد السياسي العالمي بنبرة تصعيدية غير مسبوقة تجاه منطقة الشرق الأوسط. فبينما كانت الإدارة الأمريكية تدعي السعي لتحقيق “السلام عبر القوة”، أدت التحركات الميدانية والخطابات المتقلبة إلى إشعال فتيل مواجهة عسكرية واسعة النطاق مع إيران. هذه التصريحات التي تراوحت بين التهديد بـ “الإبادة الكاملة” للصناعات الصاروخية وبين الحديث عن “مفاوضات ناجحة” مع الأشخاص المناسبين، وضعت صدقية واشنطن على المحك وأثارت موجة من الغضب الشعبي العارم في الداخل والخارج.
انقلاب السحر على الساحر: احتجاجات “لا ملوك” تجتاح المدن
في الوقت الذي كان فيه الرئيس السابق دونالد ترمب يراهن على أن الضغط العسكري المكثف سيؤدي إلى انهيار النظام في طهران وتغييره من الداخل، حدث ما لم يكن في الحسبان. وبدلاً من سقوط النظام المستهدف، شهدت الولايات المتحدة خروج ملايين المواطنين إلى الشوارع في واحدة من أكبر التظاهرات في تاريخها تحت شعار “لا ملوك”.
تجمع المتظاهرون في أكثر من 3100 موقع في جميع الولايات الخمسين، معبرين عن رفضهم القاطع لاستخدام موارد البلاد في حرب مدمرة. لقد انقلب السحر على الساحر؛ فبينما كان الهدف زعزعة استقرار الخصم، واجهت الإدارة الأمريكية أزمة شرعية حادة في عقر دارها، حيث اتهم المحتجون ترمب بسوء استغلال السلطة وجر البلاد إلى نزاعات تخدم الأرباح السياسية والمصالح الضيقة على حساب دماء الجنود وأموال دافعي الضرائب.
تضارب الروايات وتزييف الحقائق في الخطاب السياسي
اتسمت هذه المرحلة بحالة من التضليل الإعلامي الممنهج، حيث برز تضارب صارخ في المعلومات التي تقدمها الإدارة الأمريكية للجمهور. ففي الوقت الذي تنشر فيه أخبار أمريكا تقارير عن تدمير كامل للقدرات الإيرانية، تخرج تصريحات أخرى تحذر من هجمات وشيكة وتدعو لنشر آلاف الجنود الإضافيين.
أمثلة على التناقض في الخطاب الرسمي:
- حالة التفاوض: ادعى ترمب أن إيران ترغب بشدة في اتفاق وأنها قدمت “هدايا نفطية” لإثبات جديتها، بينما نفت طهران وجود أي مفاوضات رسمية ووصفت هذه التقارير بأنها “أخبار كاذبة”.
- تقييم القوة: في ساعة واحدة، صرح ترمب أن “الخطر الإيراني انتهى تماماً”، ثم أتبعها بعبارة “لن نتوقف حتى النصر التام”، مما يعكس حالة من التخبط وعدم وضوح الأهداف الاستراتيجية.
- المكالمات السرية: كشفت تقارير عن مكالمات محورية بين ترمب ونتنياهو كانت هي الشرارة التي أشعلت الحرب، رغم المحاولات المستمرة لإلقاء اللوم على الطرف الآخر بأنه هو من “بدأ الهجوم”.
الجبهة الإسرائيلية: نتنياهو في مواجهة غضب الشارع
لم يكن المشهد في تل أبيب أقل صخباً؛ فقد وجد بنيامين نتنياهو نفسه في فخ مشابه. فبينما كان يشيد بالعمليات العسكرية المشتركة مع واشنطن، خرج الشعب الإسرائيلي في تظاهرات حاشدة نظّمها “مجلس أكتوبر” وعائلات القتلى.
اتهم المتظاهرون نتنياهو بالهروب من الإخفاقات الأمنية عبر إشعال حروب إقليمية، وطالبوا بتشكيل لجان تحقيق رسمية. لقد تلاقت إرادة الشارع في أمريكا وإسرائيل على نقطة واحدة: رفض السياسات التي تضحي بالأمان القومي من أجل البقاء في السلطة. هذا الترابط في الاحتجاجات أظهر أن التحالف “غير المسبوق” الذي تباهى به الزعيمان بدأ يتآكل تحت ضغط الرفض الشعبي والنتائج الكارثية للحروب المفتوحة.
الأثر الكارثي على الملاحة الجوية والاقتصاد
أدت هذه المغامرات السياسية إلى شلل شبه كامل في قطاع الطيران والسفر. فقد أصدرت المنظمات الدولية تحذيرات من المستوى الرابع، مطالبة بتجنب الطيران فوق معظم دول الشرق الأوسط.
- إغلاق المطارات: توقفت العمليات في مطارات دولية كبرى، وتحول السفر إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر نتيجة انتشار الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية.
- أزمة الطاقة: رغم الحديث عن “هدايا النفط”، تسببت التوترات في اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، مما رفع أسعار السلع الأساسية وأثقل كاهل المواطن العادي في كل مكان.
- الإجلاء الفوري: أمرت الخارجية الأمريكية بمغادرة موظفيها من عدة دول، مما يعكس حقيقة أن الوضع الميداني كان أخطر بكثير مما توحي به الخطابات المتفائلة في المؤتمرات الصحفية.
الحقيقة الغائبة ورهانات التغيير الفاشلة
لقد أثبتت أحداث عام 2026 أن سياسة “الضرب ثم التفاوض” التي انتهجها ترمب لم تؤدِ سوى إلى مزيد من الدماء والدمار. الادعاءات بأن طهران كانت على بعد “أسبوعين فقط” من القنبلة النووية استُخدمت كذريعة لتبرير هجوم واسع لم يحقق أهدافه المعلنة، بل وحد الجبهة الداخلية في بعض الدول ضد التدخل الخارجي.
إن ما نراه اليوم هو نتاج خطاب سياسي مبني على التزييف وتضخيم الإنجازات الوهمية. فبينما كان ترمب يتحدث عن أن أمريكا أصبحت “أغنى وأقوى”، كانت شوارع ميامي ونيويورك ومينيسوتا تضج بهتافات تطالب برحيله وبوقف “الحروب من أجل الأرباح”.
الخلاصة
في نهاية هذا المشهد المعقد، يتضح أن القوة العسكرية الغاشمة والخطابات المتناقضة لا يمكن أن تصنع استقراراً مستداماً. إن الانقسام الذي أحدثته هذه السياسات في الداخل الأمريكي والإسرائيلي يؤكد أن الشعوب أصبحت أكثر وعياً بمناورات السياسيين. لقد فشلت رهانات تغيير الأنظمة بالقوة، وبدلاً من ذلك، وجد القادة أنفسهم في مواجهة مع أنظمتهم وشعوبهم. إن المستقبل يتطلب العودة إلى لغة الحقيقة والدبلوماسية الواقعية، بعيداً عن تزييف الوقائع وتصدير الأزمات إلى الخارج، لأن “انقلاب السحر” لم يكن مجرد صدفة، بل نتيجة طبيعية لتجاهل إرادة الشعوب وتطلعاتها نحو السلام الحقيقي.





