ضربة ترامب في فنزويلا.. الأسواق لا تصرخ بل تُسعّر

في فجر يوم الثالث من يناير الحالي، شهدت الأسواق العالمية تطوراً جيوسياسياً مفاجئاً بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق في فنزويلا، واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى خارج البلاد. وقد أثار هذا الإعلان تساؤلات واسعة حول تأثيره على أسواق المال، وكيفية تقييم المخاطر الجيوسياسية في بداية العام الجديد.
وترافق الإعلان مع تقارير عن وقوع انفجارات في العاصمة كراكاس، وتحليق طائرات على ارتفاع منخفض، بالإضافة إلى إعلان حالة الطوارئ والتعبئة العامة في فنزويلا. ووصف مسؤولون فنزويليون ما جرى بأنه “عدوان إمبريالي خطير”.
رد فعل الأسواق: هدوء يخفي تقلبات محتملة في أسواق المال
على الرغم من أهمية الحدث السياسي، لوحظ أن رد فعل أسواق المال كان أكثر هدوءاً مما توقع البعض. يعزى ذلك جزئياً إلى توقيت الإعلان الذي جاء خلال عطلة نهاية الأسبوع، مما أخر رد الفعل الفوري من الأسواق التقليدية. بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن بعض المستثمرين كانوا قد بدأوا بالفعل في تسعير سيناريو التغيير في فنزويلا قبل وقوع الحدث.
وقبل الإعلان، اختتمت الأسهم الأميركية تداولات يوم الجمعة بنتائج متفاوتة، حيث ارتفع مؤشر داو جونز بنسبة 0.66%، وصعد مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.19%، بينما تراجع مؤشر ناسداك بشكل طفيف بنسبة 0.03%، وفقًا لبيانات رويترز.
محاور التركيز في الأسبوع المقبل
تشير التوقعات إلى أن الأسبوع المقبل سيشهد تركيزاً على ثلاثة محاور رئيسية: تطورات الوضع في فنزويلا ومدى تصاعد العملية العسكرية، وتحركات أسعار الطاقة وتأثيرها على التضخم العالمي، بالإضافة إلى تقرير الوظائف الأميركي المنتظر صدوره في التاسع من يناير.
وصرح ماثيو مالي، كبير إستراتيجيي الأسواق في شركة ميلر تاباك، بأن “السوق يبحث عن اتجاه”، في ظل التنافس بين الأخبار الجيوسياسية والبيانات الاقتصادية على التأثير في معنويات المستثمرين.
تقييم المخاطر الجيوسياسية وتأثيرها على الاستثمار
ويعتبر هذا الحدث بمثابة اختبار مبكر لأسواق المال في عام 2024، حيث يظهر مدى قدرة المستثمرين على التعامل مع المفاجآت الجيوسياسية. تشير بعض التحليلات إلى أن الأسواق قد تكون بدأت بالفعل في تسعير بعض المخاطر المرتبطة بفنزويلا، مما قلل من حدة الصدمة الأولية.
ومع ذلك، هناك قلق متزايد بشأن تأثير هذا التصعيد على أسعار النفط، حيث أن فنزويلا تعتبر من بين الدول الغنية بالنفط. أي اضطراب في إمدادات النفط قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، مما يزيد من الضغوط التضخمية على مستوى العالم. وأشار خبراء إلى أن أي تحول سياسي في فنزويلا قد يؤثر على إنتاج النفط، وبالتالي يؤثر على أسعار الطاقة.
كما أن سوق العملات الرقمية قد تأثرت بشكل ملحوظ، حيث انخفض سعر البيتكوين إلى ما دون 91 ألف دولار بعد الإعلان مباشرة. ويعكس هذا الانخفاض قلق المستثمرين بشأن المخاطر الجيوسياسية وتأثيرها على الأصول عالية المخاطر. تسعى العملات الرقمية دائماً إلى البحث عن ملاذ آمن في أوقات الأزمات، إلا أن الوضع في فنزويلا قد أثار موجة من البيع.
النفط في قلب المعادلة
ويظل قطاع النفط عنصراً أساسياً في هذا الصراع، حيث يُنظر إليه على أنه مفتاح السيطرة على ثروات فنزويلا. وقد أكدت التقارير أن الولايات المتحدة تسعى إلى السيطرة على قطاع النفط في فنزويلا، وذلك من خلال دعم حكومة جديدة قد تكون أكثر تعاوناً.
وتشير التقديرات إلى أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم، مما يجعلها هدفاً جذاباً للقوى الكبرى. وقد أدى تدهور الوضع الاقتصادي والسياسي في فنزويلا إلى انخفاض إنتاج النفط بشكل كبير في السنوات الأخيرة، مما أثر على أسعار النفط العالمية.
نظرة مستقبلية
من المتوقع أن تشهد الأسواق العالمية تقلبات في الأيام المقبلة، حيث يراقب المستثمرون عن كثب تطورات الوضع في فنزويلا. وسيكون التركيز على أي تصعيد عسكري إضافي، أو أي تغيير في السياسة النفطية لفنزويلا. كما سيكون تقرير الوظائف الأميركي المنتظر صدوره في التاسع من يناير مؤشراً هاماً على قوة الاقتصاد الأميركي وقدرته على التعامل مع هذه الصدمة الجيوسياسية. يبقى التقييم الدقيق للتأثيرات طويلة الأجل معلقاً على تطورات الأيام القادمة، مع الأخذ في الاعتبار احتمالية تدخل أطراف إقليمية أخرى.





