طفرات جينية نادرة تحمي “كبار المعمرين” من ألزهايمر وتحافظ على صفاء أذهانهم

توصل باحثون أمريكيون إلى اكتشاف جديد قد يفتح آفاقًا لفهم أفضل لآلية الحماية من مرض الزهايمر. أظهرت دراسة حديثة أن الأفراد الذين تجاوزوا الثمانين عامًا ويتمتعون بصحة عقلية جيدة يحملون تركيبة وراثية فريدة في جين APOE، مما يوفر لهم مقاومة طبيعية ضد هذا المرض التنكسي العصبي الشائع. وقد نشرت نتائج هذه الدراسة الهامة من قبل مركز جامعة فاندربيلت الطبي (VUMC).
أجريت الأبحاث في الولايات المتحدة، وتحديدًا في مركز جامعة فاندربيلت الطبي في ناشفيل بولاية تينيسي. وقد استغرقت الدراسة سنوات من التحليل الجيني الدقيق لمجموعات مختلفة من الأفراد، بهدف تحديد العوامل الوراثية التي تساهم في طول العمر والحفاظ على الوظائف الإدراكية. النتائج الأولية تشير إلى دور محوري لجين APOE في هذه العملية.
جين APOE وعلاقته بـ مرض الزهايمر
جين APOE له عدة أشكال، أو متغيرات، أبرزها APOE2 و APOE4. لطالما ارتبط المتغير APOE4 بزيادة خطر الإصابة بمرض الزهايمر، بينما يُعتقد أن APOE2 يوفر بعض الحماية. هذه الدراسة تقدم رؤى جديدة حول كيفية تفاعل هذه المتغيرات مع بعضها البعض، خاصةً لدى كبار السن.
نتائج الدراسة التفصيلية
قام فريق البحث بتحليل الجينوم لما يقرب من 1600 شخصًا من “كبار المعمرين” – وهم أفراد يتمتعون بصحة بدنية وعقلية جيدة في العقد الثامن من العمر أو بعده. كما شملت الدراسة مجموعة من 17 ألف شخص مصاب بمرض الزهايمر، بالإضافة إلى مجموعة تحكم من كبار السن ذوي الوظائف الإدراكية الطبيعية.
أظهرت النتائج انخفاضًا ملحوظًا في انتشار متغير APOE4 بين كبار المعمرين، حيث كان أقل بنسبة 68% مقارنة بالمصابين بمرض الزهايمر، وبنسبة 19% مقارنة بكبار السن الأصحاء. في المقابل، كان متغير APOE2 أكثر شيوعًا بنسبة 28% بين كبار المعمرين مقارنة بالأصحاء، وبنسبة مذهلة بلغت 103% مقارنة بالمصابين الذين تجاوزوا الثمانين عامًا.
هذه النتائج تشير إلى أن وجود كلا المتغيرين، APOE2 و APOE4، في نفس الوقت قد يكون له تأثير وقائي فريد. يعتقد الباحثون أن هذا المزيج قد يعوض عن المخاطر المرتبطة بـ APOE4، أو قد يحفز آليات بيولوجية تعزز صحة الدماغ.
بالإضافة إلى ذلك، يدرس العلماء العلاقة بين هذه المتغيرات الوراثية وعوامل أخرى مثل نمط الحياة والتغذية، لفهم الصورة الكاملة لكيفية الوقاية من الخرف. فهم هذه العوامل قد يساعد في تطوير استراتيجيات تدخلية فعالة.
تعتبر هذه الدراسة من الأوسع نطاقًا في محاولة لفهم تأثير الاختلافات الجينية في جين APOE على طول العمر والحفاظ على القدرات العقلية. وقالت الأستاذة المساعدة ليزلي غاينور أن النتائج تقدم أدلة قوية على وجود حماية وراثية طبيعية ضد مرض الزهايمر لدى بعض الأفراد.
من المهم الإشارة إلى أن هذه النتائج لا تعني أن حمل متغير APOE2 يضمن عدم الإصابة بمرض الزهايمر. الوراثة هي مجرد عامل واحد من بين العديد من العوامل التي تساهم في تطور المرض. ومع ذلك، فإن هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام فهم أعمق للآليات البيولوجية التي تحمي بعض الأفراد من هذا المرض المدمر.
تتزايد الأبحاث حول دور جين APOE في الصحة العقلية، حيث يعتبر هدفًا رئيسيًا لتطوير علاجات جديدة. يهدف العلماء إلى تحديد الأدوية أو التدخلات التي يمكن أن تحاكي تأثيرات APOE2، أو تقلل من تأثيرات APOE4.
في المستقبل القريب، يخطط فريق البحث لمواصلة دراسة الجينومات لكبار المعمرين، والبحث عن متغيرات وراثية أخرى قد تساهم في الوقاية من الخرف وأمراض الشيخوخة العصبية. كما يهدفون إلى إجراء دراسات وظيفية لفهم كيفية تأثير هذه المتغيرات على وظائف الدماغ على المستوى الخلوي والجزيئي. من المتوقع أن تستغرق هذه المرحلة الإضافية من البحث عدة سنوات، وستتطلب تعاونًا بين مختلف التخصصات العلمية.
تظل الأبحاث جارية لتحديد الآليات الدقيقة التي تكمن وراء هذه الحماية الوراثية، وما إذا كان يمكن استغلال هذه المعرفة لتطوير تدخلات وقائية أو علاجية لمرض الزهايمر. هذا المجال من البحث يحمل وعودًا كبيرة، ولكنه لا يزال يواجه العديد من التحديات.





