Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
السعودية

العرائش.. محطة عباسية على "درب زبيدة" تحكي تاريخ الماء والحج

أعلنت هيئة تطوير محمية الإمام تركي بن عبدالله الملكية عن أهمية موقع “بركة العرائش” التاريخي، الواقع على طريق الحج الكوفي القديم “درب زبيدة”. تُعدّ هذه البركة من أبرز معالم الدرب التي ازدهرت في العصر العباسي، وشكّلت نقطة ارتكاز حيويّة لقوافل الحجاج والمسافرين. يقع الموقع على بعد 60 كيلومترًا جنوب قرية لينة، ويحظى بأهمية ثقافية وتاريخية كبيرة.

يُعرف موقع العرائش محليًا باسم “التناهي”، وهو منطقة تقع بالقرب من منطقتي خضراء والبدع. ويتميز ببرك مائية تم إنشاؤها في العصر العباسي للاستفادة من مياه السيول، وكانت نقطة نهاية طبيعية لمسارات المياه بفعل عرق “اللبيّد” الرملي الذي يعيق جريانها، مما أدى لتشكيل بحيرات ساهمت في إحياء المنطقة وخدمة الحجاج. تُظهر هذه البركة مدى التقدم الهندسي والمائي في تلك الحقبة.

أهمية بركة العرائش في سياق درب زبيدة

درب زبيدة هو طريق تاريخي للحج يمتد من الكوفة في العراق إلى مكة المكرمة، وقد تم تطويره ورصفه بأمر من الخليفة العباسي هارون الرشيد وزوجته زبيدة. كان هذا الطريق بمثابة شريان حيوي يربط بين مناطق مختلفة، ويسهل حركة التجارة والحج، ويرمز للاهتمام الذي أولته الدولة العباسية لخدمة ضيوف الرحمن. بركة العرائش، كجزء من هذا الدرب، لعبت دورًا محوريًا في توفير المياه لقوافل الحجاج.

المكونات الرئيسية لموقع العرائش

لا يقتصر موقع العرائش على بركة مياه واحدة، بل يضم ثلاثة مواقع متميزة وهي: العرائش الشمالي (بركة التناهي)، والعرائش الأوسط (التنانير)، والعرائش الجنوبي. يمتد العرائش الشمالي على مساحة 450 مترًا في الطول و250 مترًا في العرض، ويحتوي على عشر وحدات مختلفة بالإضافة إلى مبنيين وأفران حجر جيري. أما العرائش الأوسط، فيتكون من تسع وحدات معمارية حول بركة دائرية وبركة مربعة، بالإضافة إلى بئرين وأفران للجبس.

العرائش الجنوبي يُمثل تطورًا في البنية المائية والهندسية، حيث يظهر تصميمًا أكثر تعقيدًا. هذه المواقع الثلاثة تعكس الجهود المبذولة لتوفير المياه بشكل مستدام للحجاج والمسافرين على طول درب زبيدة. وتشير الدراسات الأثرية إلى أن هذه البرك لم تكن مجرد تجميع للمياه، بل كانت تخضع لعمليات تنقية وتخزين متطورة.

دور البركة في استدامة الحياة

بالإضافة إلى خدمة الحجاج، ساهمت بركة العرائش في دعم الحياة في المنطقة المحيطة. فقد وفرت المياه للحيوانات والنباتات، وساعدت في إنشاء مجتمعات صغيرة تعتمد على الزراعة والرعي. كانت البركة أيضًا نقطة التقاء للقبائل المختلفة، ومكانًا لتبادل السلع والأخبار. يُظهر هذا التفاعل الاجتماعي والاقتصادي الأهمية الشاملة للبركة في تلك الفترة.

يعتبر درب زبيدة بشكل عام، وبركة العرائش بشكل خاص، مثالًا فريدًا على التخطيط الحضري المستدام في العصور الإسلامية. فقد تم تصميم الدرب والبرك بطريقة تأخذ في الاعتبار الظروف الطبيعية للمنطقة، وتضمن توفير المياه والحفاظ عليها. وهذه المبادئ لا تزال ذات صلة اليوم، حيث تواجه العديد من المناطق حول العالم تحديات تتعلق بندرة المياه والتغير المناخي.

وتشهد هيئة تطوير محمية الإمام تركي بن عبدالله الملكية جهودًا متواصلة لتوثيق وترميم هذه المواقع الأثرية، بهدف الحفاظ عليها للأجيال القادمة. وتشمل هذه الجهود إجراء الدراسات الأثرية، وتنظيف البرك، وترميم المباني، ووضع علامات إرشادية لتوجيه الزوار. كما تعمل الهيئة على تطوير خطط سياحية تهدف إلى تعزيز الوعي بأهمية درب زبيدة.

وقد أثارت الاكتشافات الأثرية في موقع العرائش اهتمامًا دوليًا، حيث زاره العديد من الباحثين والمهتمين بالتراث الإسلامي. وتؤكد هذه الزيارات على الأهمية العالمية للدرب، والحاجة إلى حمايته وتطويره. بالإضافة إلى ذلك، يعتبر”درب زبيدة” جزءاً من جهود المملكة العربية السعودية لتعزيز السياحة الثقافية.

من المتوقع أن تعلن هيئة تطوير محمية الإمام تركي بن عبدالله الملكية عن خطة شاملة لترميم وتأهيل درب زبيدة وبركة العرائش خلال الأشهر القليلة القادمة. تتركز الجهود الحالية على تقييم الأضرار التي لحقت بالموقع، وتحديد الأولويات اللازمة للترميم. ومع ذلك، لا تزال هناك بعض التحديات التي تواجه هذه الجهود، مثل صعوبة الوصول إلى بعض المناطق، وارتفاع تكاليف الترميم. يجب مراقبة التقدم المحرز في تنفيذ هذه الخطة، وتقييم مدى فعاليتها في الحفاظ على هذا المعلم التاريخي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى