عودة “أوريشنيك”.. صاروخ واحد ورسالة إلى أوروبا كلها

في ليلة 9 يناير 2026، كثَّف الجيش الروسي قصفه على مواقع أوكرانية، ضمن تبادل الضربات المعتاد بين البلدين. لكن هذه الليلة كانت مختلفة، حيث عاد صاروخ “أوريشنيك” إلى ساحة القتال للمرة الثانية، في ضربة قرب مدينة لفيف غرب أوكرانيا، بالقرب من الحدود البولندية. هذا الحدث يثير تساؤلات حول دوافع موسكو، خاصةً في ظل المحادثات الجارية حول إنهاء الحرب، ويُركز الضوء على قدرات هذا الصاروخ المتقدمة.
الضربة، التي شملت 242 مسيرة و36 صاروخًا، لم تكن مجرد تصعيد عسكري تقليدي. استخدام “أوريشنيك” تحديدًا، وهو سلاح نادر الاستخدام، يحمل دلالات سياسية وعسكرية عميقة، ويُعيد إلى الأذهان التوترات المتعلقة بالأسلحة النووية.
ما هو صاروخ “أوريشنيك” وأهميته الاستراتيجية؟
صاروخ “أوريشنيك” هو سلاح باليستي متوسط المدى، قادر على الوصول إلى سرعات تتجاوز 13 ألف كيلومتر في الساعة، أي أكثر من 10 أضعاف سرعة الصوت. يبلغ مداه حوالي 5500 كيلومتر، ما يجعله قادرًا على ضرب أهداف في نطاق واسع.
الأهم من ذلك، يمكن تجهيز “أوريشنيك” برؤوس حربية نووية أو تقليدية. التحليلات الروسية تشير إلى أنه قادر على حمل 6 رؤوس حربية مستقلة، مع احتمال وجود ذخائر فرعية داخل كل رأس. هذا يعني أن الصاروخ الواحد يمكنه ضرب أهداف متعددة في وقت واحد، مما يزيد من صعوبة اعتراضه من قبل أنظمة الدفاع الجوي.
خصائص فريدة للصاروخ تزيد من تعقيد الدفاعات الجوية
يُعدّ تصميم الرؤوس الحربية المتعددة المستقلة ميزة رئيسية لـ “أوريشنيك”. فبدلاً من مواجهة هدف واحد، يجب على أنظمة الدفاع الجوي التعامل مع عدة أهداف منفصلة تسير على مسارات مختلفة، مما يقلل من فرص النجاح في الاعتراض. هذا يزيد من احتمالية وصول بعض الرؤوس الحربية إلى أهدافها حتى في حالة تدخل الدفاعات المضادة.
يطرح الخبراء سؤالاً حول ما إذا كان “أوريشنيك” يمثل حقًا صاروخًا فرط صوتيًا بالمعنى الكامل. في حين أنه يصل إلى سرعات عالية جدًا، فإن قدرته على المناورة محدودة مقارنة بالصواريخ الفرط صوتية الأخرى. ومع ذلك، فإن القدرة على حمل رؤوس متعددة، حتى لو كانت تقليدية، تجعله سلاحًا فعالًا جدًا.
لماذا الآن؟ السياق السياسي والعسكري لإطلاق “أوريشنيك”
عودة استخدام “أوريشنيك” تزامن مع محادثات مكثفة حول إيجاد حل للنزاع الأوكراني وتبادل الضمانات الأمنية بين الطرفين. بالإضافة إلى ذلك، تأتي هذه الخطوة في ظل رئاسة دونالد ترامب المحتملة للولايات المتحدة، والذي يُعتقد أنه يميل إلى التوصل إلى تسوية مع موسكو.
الضربة بالقرب من الحدود البولندية قد تكون رسالة موجهة إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مفادها أن روسيا لا تزال قادرة على تهديد الأمن الإقليمي. استخدام صاروخ بهذه القدرات، حتى مع رؤوس حربية وهمية، يُظهر للعالم أن موسكو لديها خيارات استراتيجية متعددة.
وفقًا لتقارير، فإن روسيا استخدمت “أوريشنيك” للمرة الأولى في نوفمبر 2024، في ضربة استهدفت منشأة لصناعة الصواريخ في دنيبرو، مما أدى إلى تعطيل عملها. عملية الإطلاق الأخيرة، وإن كانت أقل تدميراً، تبدو وكأنها تأكيد على هذا القدرة ووسيلة لإرسال إشارة سياسية قوية.
دلالات أوسع واستعدادات روسية
تشير العديد من المصادر إلى أن استخدام “أوريشنيك” قد يكون استجابة لتقارير عن محاولة أوكرانية لضرب مقر إقامة الرئيس بوتين بطائرة مُسيَّرة. ومع ذلك، فإن هذا التفسير لا يفسر بالكامل اختيار هذا الصاروخ تحديدًا.
هذه الخطوة تأتي أيضًا في سياق التغييرات الأخيرة في العقيدة العسكرية الروسية، والتي توسّع الحالات التي قد تستدعي استخدام الأسلحة النووية. في نوفمبر 2024، وافق بوتين على هذه التغييرات، مما أثار قلقًا واسع النطاق في الغرب.
بالإضافة إلى ذلك، أعلنت روسيا في عام 2023 أنها ستجري تدريبات على سيناريوهات نشر واستخدام الأسلحة النووية التكتيكية في بيلاروسيا. هذه التحركات تشير إلى أن موسكو تسعى إلى تعزيز قدراتها النووية وإرسال رسائل ردع قوية إلى خصومها.
في الوقت الحالي، من المتوقع أن تستمر المحادثات حول الضمانات الأمنية لأوكرانيا، مع التركيز على قضايا مثل مستقبل الأراضي المتنازع عليها ومحطة زابوريجيا النووية. من غير الواضح ما إذا كانت هذه المحادثات ستؤدي إلى حل سلمي، لكن استخدام “أوريشنيك” يذكر جميع الأطراف بالرهانات العالية والعواقب المحتملة للتصعيد. يجب مراقبة ردود فعل الناتو والولايات المتحدة عن كثب، بالإضافة إلى أي تغييرات في الاستعدادات العسكرية الروسية، لتقييم التطورات المستقبلية.





